لماذا لم تنتشر مبادى التمويل الاسلامي غربا؟:
مغالطات التمويل الاسلامي
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
كبير الخبراء، برنامج الخليج العربي للتنمية، اجفند.
قد يتساءل المرء لماذا لم يكن هناك تعاون كبير بين الأنظمة المصرفية الإسلامية والتقليدية، ,ولماذا لم تنتشر مبادئ التمويل الاسلامي المتعلقة بالمشاركة والايجارة والبيوع ، حتي وان لم تكن تتبع مبادئ الشريعة الاسلامية، بالغرب؟. وجرت العادة أنه عندما يكون أي نظام تمويلي ذا صلة بظرف معين بالنسبة لمجموعة ما، فإنه أيضا يفتح فرصاً كبيرة لجميع الأطراف المعنية الأخرى للاستفادة من بعض خصائصه، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو اعتقاداتهم الدينية . هذا الأمر لم يحدث في بعض تطبيقات النظام المصرفي الاسلامي في الغرب.
في الحقيقة، وبحسب رجوعنا الي تفسير المغالطات في علم المنطق لهذه الظاهرة وجدنا أن الأمر يرجع الي أن التمويل الإسلامي ارتكب مغالطات غير صحيحة مما حد من انتشار فكرته في المصارف التقليدية بالغرب. من أهم هذه المغالطات مغالطة “الاستناد إلى العاطفة”، والتي تنشأ عندما يسعى الأفراد المسلمون إلى إقناع الآخرين من خلال الاستناد إلى عواطفهم وتصنيفهم الإسلامي بدلاً من تقديم أدلة واقعية ليتعلم منها الآخرون من استدلالهم المنطقي وتطبيقاتهم الواقعية. وكذلك “مغالطة المنحدر الزلق” بزعم أن أي فعل أو حدث معين في غير موقعه سيؤدي حتماً إلى سلسلة من العواقب السلبية، ويتم افتراض هذه العواقب السلبية عندما نطبق نظاماً مالياً إسلامياً معدلاً في بيئة غير إسلامية. و”مغالطة التعميم المتسرع” التي تقدم ادعاءات تستند إلى أدلة غير كافية. فبدلاً من فحص أمثلة من دول أخرى تعكس موقفًا نموذجيًا آخر حتي ولو لم يرتبط بالدين، يقبل العلماء والممارسون فقط أدلتهم وتطبيقاتهم. فضلا عن “مغالطة الاستدلال الدائري” والتي تحدث عندما تقبل الحجة حقيقة ما تحاول إثباته وتنكره في تطبيقات أخرى. وبدلاً من تقديم أدلة داعمة، فإنها تكتفي بتكرار الاستنتاج، الأمر الذي يؤدي إلى افتقار إلى التماسك المنطقي. وأخيرا، “مغالطة التركيب” التي تحدث عندما تفترض أن ما ينطبق على الأجزاء الفردية يجب أن ينطبق أيضًا على الكل، والتي تفترض أن التمويل الإسلامي يُطبق على كل من البيئات الإسلامية والتقليدية، بالطريقة التي تم تطبيقه بها في المؤسسات الإسلامية. أثبتت الدراسات في تاريخ الخدمات المصرفية العالمية أن إلغاء أسعار الفائدة الثابتة يشكل جزءًا لا يتجزأ من التقاليد المسيحية واليهودية. ومع ذلك، تخلى النظام المصرفي التقليدي عن ممارساته القديمة، مما أدى إلى تباعد بين النظام المصرفي الإسلامي والنظام القائم على الفائدة عندما بدأ تنفيذ الخدمات المصرفية الإسلامية في سبعينيات القرن العشرين . لمعالجة هذا الأمر لابد من الفحص الشامل لفوائد ديناميكيات التعاون بين هاذين النظامين التمويليين.
في كتابه “مفارقة التمويل الإسلامي: كيف يوفق علماء الشريعة بين الدين والرأسمالية، 2024، مطبعة جامعة برينستون، الولايات المتحدة الأمريكية” ، الذي اطلعت عليه مؤخرا يقترح (رايان كالدر ، Ryan Calder) أن علماء الشريعة الإسلامية طوروا اندماجاً مربحاً ومثيراً للجدل يجمع بين المبادئ الدينية وقوى السوق. كما يري إن تفسير علماء الشريعة للتمويل الإسلامي ينسجم مع الاتجاه الحديث في التمويل والتوسع العالمي للممارسات المتوافقة مع الشريعة. وأضاف (رايان) أن المنتجات المالية الإسلامية الأكثر انتشارًا تعمل بطريقة تشبه أدوات الفائدة التقليدي بالرجوع للمنتقدين له الذين يزعمون أن التمويل الإسلامي يشبه بشكل أساسي التمويل التقليدي القائم على الفائدة، وإن كان تطبيقة في الدول الاسلامية كان بموافقة علماء الشريعة . إذا كان هذا هو الحال حقًا، فهناك مبرر للنظام المصرفي التقليدي الذي يستخدم نفس المنتجات إما في أشكالها الأصلية أو المعدلة أن يطبقه، دون اللجوء إلى المعتقدات العاطفية أو الدينية.
في حين يعترف القانون الإسلامي بالترتيبات التي يبرمها طرف ثالث للمسلمين والتي تتفق مع مبادئه، فإنه يضع تأكيداً قوياً على المسؤولية الشخصية في قبول هذه الترتيبات. وتسمح المبادئ الإسلامية بالقيام بالأعمال ضمن حدود شرعية محددة للمسلمين؛ ومع ذلك، لا ينبغي لهذه المبادي أن تحد من الصلة الأوسع بالتناغم مع العقائد الأخرى، كلا حسب معتقداته وطريقة تطبيقهم للأسس غير المعتمدة على الفائدة اذا رغبوا في ذلك. وفي هذا الصدد وعند البحث عن فرص لتوسيع نطاقة عالميا، من الضروري ، في رأيي، استخدام المصطلحات المعترف بها على نطاق واسع لتعزيز الفهم وتسهيل تطبيقه في جميع أنحاء العالم، حتي ولو كان ذلك بدون صبغة اسلامية، طالما أن لديه مزايا لهذه الأطراف. ينظر المسلمين إلى التمويل الإسلامي على أنه تمويل ديني ولا يوجد ضرر أو خلاف في ذلك ، لكنني أعتقد، وفي مسار توسيعه للغرب، فان غير المسلمين لا يمكنهم أخذه من الجانب العاطفي أو الديني اذا ارتبط فقط بديانة محدده، ولكن يمكن أخذة، وربما تطويره وتطبيقة بدون مرجعية دينية، فقط لمزاياه.
إن استخدام المنتجات المالية الإسلامية في النظام التقليدي مدفوع في المقام الأول بالحوافز التي يقدمها هذا النظام، مما يؤكد على المسؤولية الواضحة التي يتحملها ممارسو التمويل الإسلامي تجاه اثبات هذه الحوافز لكي يكون نظام التمويل الاسلامي منداحا عالميا. علما بأن مبادئ وممارسات التمويل الإسلامي تمتد إلى ما هو أبعد من الالتزام الإسلامي، حيث أنه أصبح يتمتع بجاذبية أوسع، ويرجع هذا جزئياً إلى المبادئ التي تحكم الأنشطة المالية الإسلامية، بما في ذلك مباديء الأسهم والمشاركة الذي يتفق وتوجهات الغرب في نظم الأعمال. و من التقصي العملي الذي قمت به خلال سنوات للتجارب الأفريقية في التمويل الأصغر على الارض اتضح لي أن هنالك مجموعة متنوعة من الأفراد والمؤسسات المالية غير الاسلامية تعمل بنظام التمويل الإسلامي الأصغر في أدوار متعددة سواء عن قصد أو عن غير قصد وبدون درايتهم بأنه تمويل ارتبط بالنظام المصرفي الاسلامي. كما أن أغلب هذه التطبيقات كانت بسبب أنه شكل حلا لهذه المؤسسات، كاستغلا ل المرابحة في بيع البذور المحسنة لصغار المزارعين بسعر التكلفة مع هامش الربح (الذي اطلقوا عليه سعر الفائدة) بغرض زيادة انتاجيتهم لتحسين المحفظة في خطر (تخفيض التعثر).
من وجهة نظري، فإن النمو الواسع النطاق للتمويل الإسلامي على نطاق عالمي مرتبط في المقام الأول بمزاياه وتطويره، بدلاً من أن يُعزى فقط إلى تسميته الدينية الإسلامية. وبالتالي فإن تنفيذ التمويل الخالي من الفائدة من المرجح أن ينتشر داخل البلدان غير الإسلامية بناءً على أشكاله العملية بشكل أساسي، بدلاً من الارتباط الصارم بدين معين. ولا يُشترط أن يكون عملاء هذا النظام مسلمين، لأنه نظام تمويل عالمي تم تطبيقة للمسلمين بخصائص متوافقة مع الشريعة الإسلامية العادلة والمبنية على أسس تجارية ولا يمنع من تطبيقة في أي مجتمعات أخري بصرف النظر عن ارتباطه بالاسلام. وعلاوة على ذلك، يمكن تنفيذه في السياقات الغربية بأي طريقة عملية مناسبة تراها المؤسسات المالية الغربية، بغض النظر عن التحكيم القانوني الإسلامي. هذا الأمر لم يتم تطبيقة حتي تاريخ اليوم، اذ أن صانعي النظام الاسلامي يرغبون ويعملون على تطبيقة على الأسس الاسلامية فقط في البلاد الاسلامية وغير الاسلامية، في حين يراه غير المسلمين أنه نظام ديني لا يرتبطون به من قريب أو بعيد. وهذه الرؤية هي التي أثرت على انتشاره في الغرب والتي تحتاج لمراجعة.
(جزئية مأخوذه بتصرف من كتابي بعنوان: البراجماتية في الشمول المالي: الأسس النظرية والمفاهيمية لدمج التمويل الأصغر الخالي من الفائدة ضمن الإطار المالي التقليدي، تحت الطبع بمطبعة لامبيرت، ألمانيا).

