خواطر في مسار تطور سياسات
وممارسات التمويل الأصغر والشمول المالي (2)
النظريات والسياسات والاستراتيجيات
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.
كبير الخبراء، برنامج الخليج العربي للتنميه، آجفند.
ظل التمويل الأصغر يعمل على الأرض منذ عقود، الا أن نظرية الشمول المالي نفسها لم تكتمل بعد وكل ماكتب في هذا المجال من ناحية أكاديمية لم يكوِن في مجمله نظرية متكاملة بعد. أهمية هذه النظريات أن من شأنها تقديم إطارًا يوضح أهداف وعمليات ونتائج مبادرات الشمول المالي تسهل التكامل الشامل للأهداف والنتائج و تساعد في توحيد المناقشات المثالية في أدبيات السياسات المتعلقة بالشمول المالي، والتأكيد على دور التعليم في تعزيز الشمول المالي و تفسير التفاوتات في سياسات الشمول المالي بين الدول والمناطق والمجموعات الديموغرافية وتتيح لانشاء مجموعة أساسية من المبادئ التي تدعم ممارسة الشمول المالي، وهذا بدوره من شأنه أن يدفع إلى مزيد من التحقيق في الأسباب وراء الاختلافات غير المتوقعة في الممارسة الموجهة نحو ايجاد حلول للمشكلات. علاوة على ذلك، تنظر هذه النظريات في المتغيرات التي تساهم في استياء الناس من الخدمات المالية الحالية، مما يؤدي إلى إجراء أبحاث إضافية حول التحسينات التي قد تلبي بشكل أفضل مطالب جميع المستهلكين. هناك حاجة ملحة لاستخدام منهجيات علمية حديثة لتوسيع خيارات الشمول المالي والتمويل الأصغر وخلق مفاهيم جديدة داخل القطاع المالي. ومن الضروري إنشاء إطار نظري أكثر شمولاً، وخاصة الإطار الذي يدمج نماذج جديدة أعمق لفهم الشمول المالي. إن التفاوت الموثق جيداً بين البحث والممارسة يسلط الضوء على تحديين رئيسيين: فجوة إنتاج المعرفة وفجوة نقل المعرفة. وعلى وجه التحديد، في سياق الشمول المالي، تؤدي فجوة إنتاج المعرفة إلى إضعاف الممارسات وتضييق نطاق العمل، في حين تؤدي فجوة نقل المعرفة إلى فشل الممارسين في النظر بشكل كامل في التأثيرات الموضحة في البحث الأكاديمي.
هذا بالاضافة لأن القوالب الجاهزة سياسات العمل المصرفي لن تصلح كقاعدة سياسات للتمويل الأصغر والشمول المالي لأن عقلية المستثمر الصغير وتجاربة واحتياجاته وطريقة وضع سياساته وتعامل المؤسسات المالية معه تختلف عن كبار المستثمرين. هذه الخصائص حتي تاريخ اليوم لم تستوعب بشكل كبير من جانب المصرفيين وصناع السياسات وبعض التنمويين الذين لا يزالون ينظرون اليه كالية دعم للفقراء، على الرغم من تطوير سياساته ومشروعاته ودخول مستثمرين جدد وشركات عالمية ذات وزن ودخول التكنولوجيا في المشروعات (كالتأمين المعياري في القطاع الرعوي والزراعي صغير الحجم) وفي تسهيل عمليات الادخار و التمويل عبر الرقمنة مما أدي لاستيعاب الأعداد المتزايدة فيه بتخفيض تكلفة التمويل لمقدمي الخدمات. وأكثر الجهات التي طورت التمويل الأصغر من ناحية السياسات منظمات الأمم المتحدة كالبنك الدولى، على الرغم من المآخذ على السياسات الكلية التقشفية للبنك الدولي التي أدت لافقار الشعوب، كما يعتقد أصحاب التوجهات الفكرية المناهضه للفكر الاقتصادي (النيوليبرالي).
لا زالت المصارف والمصارف المركزية لم تقدم الكثير في السياسات والاستراتيجيات لأن العمل المصرفي لم يبارح مكانه ولم يعطي فرصة لفهم التمويل الأصغر القاعدي كجزء مكمل لتمويل الشركات الكبيرة بشكل جيد وواضح، ولا زال كثير من المصرفيين وصناع السياسات يعتبرونه أنه أدارة للرعاية الاجتماعية وليس عمل مصرفي واستثمار في الفقراء ولصالح الفقراء للوصول بهم الي الاستثمار الأكبر عبر تدرج أو تجسير صغار المنتجين من التمويل الأصغر للصغير والمتوسط، اذا قام على أسس وممارسات جيدة. اذ أن التمويل الأصغر لم يعد تمويلا فرديا في مشروعات فردية متفرقة ومعزولة ومكرره لا تضيف كثيرا للانتاج والخدمات والدخول وتوفير فرص العمل ، بل أصبح مشروع عالمي كبير يخدم ليس فقط الفقراء النشطين كأفراد بل كمجتمعات عبر الشراكات بين الشركاء العالميين من صناع السياسات والممولين والقطاع الخاص والشركات الباحثه عن الأرباح والنشطاء والتنمويين ومنظمات المجتمع المدني على أسس جيدة ببرامج متنوعة ومتكاملة لها أثر اجتماعي واقتصادي كبير على الأرض. أخيرا، الذين يأخذون بعض المحازير على التمويل الأصغر وأثره لا زالوا محليين ينظرون للتجارب التي عفي عليها الزمن ولم يتابعوا هذه التطورات المذهلة والمتسارعة والناجحة في السياسات والممارسات في هذا القطاع على المستوي العالمي.

