قطاع التمويل الأصغر العالمي بين نمو محافظ التمويل و معدلات اختراق الأسواق.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.
كبير الخبراء، برنامج الخليج العربي للتنميه، آجفند.
شهد قطاع التمويل الأصغر العالمي نموًا كبيرًا، حيث تشير التوقعات المنشورة إلى زيادة من 178.84 مليار دولار أمريكي في عام 2020 إلى ما يقرب من 496.90 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، وهو ما يتوافق مع معدل نمو سنوي مركب قدره 10.8٪. علاوة على ذلك، تشير التقديرات إلى أن السوق يمكن أن يتوسع إلى 650 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2033 . ويعزى هذا النمو إلى عدة عوامل، بما في ذلك العدد المتزايد من العملاء الذين يدخلون قطاع التمويل الأصغر كل عام، والزيادة في استخدام الهواتف الذكية والإنترنت التي تدعم منصات التمويل الأصغر الرقمية، والتركيز المتزايد على الشمول المالي من قبل وكالات التنمية الدولية، والدعم المتزايد من الحكومات والسلطات التنظيمية والمنظمات الدولية من خلال مبادرات سياسية مختلفة وبرامج تمويل.
وعلى الرغم من هذا النمو المذهل، لا يزال جزء كبير من الأفراد ذوي الدخل المنخفض في البلدان النامية يفتقرون إلى الوصول إلى الخدمات المالية الحيوية. ومن المؤسف أن مقاييس حجم سوق التمويل الأصغر العالمية لا تظهر في الأساس سوى حجم التمويل وليس فجوة التمويل بين العملاء من خلال قياس الطلب والعرض على التمويل الأصغر أو ما يطلق عليه معدل اختراق السوق الذي يُعد مقياسًا للسوق و يقيم استخدام الائتمان الأصغر على المستويين الإقليمي والوطني، استنادًا إلى نسبة المقترضين الأفراد إلى عدد السكان البالغين (أو اجمالي السكان). ومن المؤسف أن هناك ندرة في المعلومات المحدثة بشأن معدلات الاختراق على المستوى العالمي والإقليمي؛ ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى أن أسواق التمويل الأصغر العالمي غير مشبعة إلى حد كبير.
ان تقييم تشبع سوق التمويل الأصغر أمر حيوي. تكافح الأنظمة المالية، بغض النظر عن مستوى دخل الدولة أو حجمها، لتحقيق الشمول المالي الحقيقي. ولا يزال عدد كبير من الأفراد معرضين للخطر أو مهمشين تاريخيًا أو غير متعاملين مع البنوك ومؤسسات التمويل. وتشير بعض المؤشرات إلى أن هناك طلبًا كبيرًا في السوق على التمويل الأصغر لا يزال يتعين تلبيته. على سبيل المثال، تشير قاعدة بيانات الشمول المالي العالمي في 2021 إلى أنه في المتوسط، أفاد 10.4٪ فقط من البالغين الذين تبلغ أعمارهم 25 عامًا أو أكثر أنهم حصلوا على قرض من مؤسسة مالية خلال العام السابق. كما أفاد البنك الدولي أن 1.4 مليار بالغ (حوالي ثلث البالغين) في جميع أنحاء العالم يفتقرون إلى الوصول إلى الخدمات المصرفية التقليدية، مما يمثل فرصة سوقية كبيرة لمؤسسات التمويل الأصغر. وعلى الرغم من تضييق الفجوة بين الجنسين في ملكية الحسابات المصرفية في الدول النامية من 9 إلى 6 نقاط مئوية بين عامي 2017 و2021، كما جاء في تقرير للبنك الدولى، إلا أنها لا تزال تعيق الاستقلال المالي للمرأة.
من الأهمية بمكان أن ندرك القيود التي تعيق النمو في الأسواق المختلفة لمعالجة التفاوت بين العرض والطلب في التمويل الأصغر بشكل فعال. وتشمل العوامل المهمة التي تساهم في هذا التحدي قضايا الاستدامة المالية التي تواجهها مؤسسات التمويل الأصغر، والتي يعتمد بعضها على التبرعات أو الإعانات، ونقص تنويع المنتجات داخل نفس الأسواق، ووجود مجموعة محدودة من نماذج الإقراض المتاحة، وتوافر محدود لرأس المال، وعلو التكاليف التشغيلية، فضلا عن تحديات تنظيمية. بالإضافة إلى ذلك، تؤثر معدلات التضخم المتزايدة سلبًا على أحجام القروض، مما يؤدي بالتالي إلى انخفاض عدد الأفراد الذين يحصلون على قروض صغيرة سنويً على الرغم من زيادة محافظ القروض.
لتعزيز شمول التمويل الأصغر، يمكن النظر في استراتيجيات مختلفة: تحسين الإطار التنظيمي، وتوسيع الوصول إلى الموارد المالية، وتعزيز تنمية قدرات مؤسسات التمويل الأصغر، وتشجيع تبني التكنولوجيا من خلال دمج الحلول الرقمية. أحد العوامل المهمة التي غالبًا ما يتم تجاهلها والتي يمكن أن تعزز شمول التمويل الأصغر هو استخدام أساليب خالية من الفائدة داخل إطار التمويل الأصغر التقليدي لتوسيع نطاقه. وعلى المستوى الدولي، هناك استراتيجيتان ماليتان رئيسيتان تهدفان إلى تحقيق الشمول المالي: نموذج الشمول المالي التقليدي المستخدم على نطاق واسع ونموذج التمويل الإسلامي، الذي يقتصر في الغالب على مناطق محددة. ونظراً للسياق العالمي الحالي، فمن الأهمية بمكان إعادة تقييم وظائف هذين النظامين في تقديم مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات المالية التي تعزز الاستقرار والمرونة والأمن المالي المستدام.

