ماذا بعد مغازي تحرير العاصمة الخرطوم !؟
السفير د. معاوية التوم
يوم ٢٦ مارس ٢٠٢٥م سيبقى يوما خالدا في تاريخ أمتنا و ذاكرتنا الجمعية، بلون وطعم ورائحة. هذا اليوم الأغر يظل فتحاً ونصراً مبيناً يستمد سنده ومدده وبريقه، من شهر الصيام والقيام والتهجد، والفتوحات والانتصارات، ومن أنسام بدر الكبرى وليلة القدر .هذه الايام تكاد تقلل أو تمسح بعضاً من مرارات التمرد وفظائعهم وعدوانهم المفتوح في العشر الأواخر من رمضان قبل عامين خلَت بكل ما جلبت من إبتلاء عظيم، وقتل واغتصاب وسطو ونهب ودمار وإفقار وتدنيس . تحرير الخرطوم اليوم يعيد مسيرة تحريرها المتجددة من المستعمر وحلفائه القدامى والجدد ويقبر مملكة آل دقلو ورعاتها الكثر الي الأبد. هذا التحرير المظفر لجيشنا سيكون نقطة تحول كبرى في المشهد السوداني، والاقليم وخارجه ورهاناتهم فيما ظلوا يعملونه من ضغوطات وخيارات وتسويات بائسة مهينة لكسر إرادة أمتنا، وفرض إرادتهم باستعادة ركام التمرد وأذنابهم الي كراسي الحكم ودائرة الهشاشة والفوضى والإرباك السياسي و(جدلية الاسباب والنتائج) ومن أطلق الطلقة الاولى!؟. هذا الانتصار متعدد الرسائل والشفرات يكتب لجيشنا وشعبنا سفرا عصيا على النسيان في ذاكرة من أرادوا قهر هذه الأمة وتركيعها، وإبطال نظرية (الطرفانية )التي أرادوا لها أن تحمل السردية الأممية الكاذبة عن جوهر حربهم الماكرة، بمساواة جيش وطني مهني تجاوز القرن من الزمان مع مليشيا مارقة، ليس لديها رصيد غير العمالة والارتزاق والمكر .هذا الانتصار الكاسح يقبر معه مدنيتهم المدعاة و ديمقراطيتهم، ودولة ٦٥ وكل مسخ مشوه تسربلوه بهتانا.هذا الاحتفاء باستعادة الخرطوم وتحريرها يخبر عن قيادة عسكرية مدخرة، على رأسها قائد وطني محترف برتبة رفيعة مستحقة، لا بعض قماشة أيام وأقدار وضعت على كتف لفريق وهمي فحسبها لجة وكشف عن ساقيه!؟. هذا النصر الرباني تعلق بترويع وأشواق وجراح وفقد وشهداء ومعاناة ونزوح ولجوء، لكنه لم يفت من عضد هذا الشعب الأبي. هذا الفوز المستحق على الأعداء الكثر، يعيد كتابة التاريخ للجيوش وموازين القوة في منطقتنا وإقليمنا ويبشر بسودان العزة والكرامة والخلود. هذا التحرير المفخرة كشف بؤس دول المال والنفوذ والصولجان والعتاد والأحلام والأطماع، وأسقط قناعهم الواهي بفراسة ورجولة وصمود أبناء هذا الوطن المعجزة..هذا النصر سيكون بشارة خير لاستكمال مشوار التحرير الذي بدأ بمدني بولاية الجزيرة و سنار وسنجة و أمتد ليصل الخرطوم، ولن تكون نهاية مطافه إلا بالأبيض والفاشر وكامل ترابنا ومدننا وقرانا في كردفان وولايات دارفور . بل هو بداية لمرحلة جديدة تحمل تحديات كبيرة وفرصًا لا حصر لها . لأن المحافظة على النصر واستكمال حلقاته ما بتحرير كامل التراب الوطني يعتمد على عدة عوامل أهمها :
1. إعادة بناء الدولة: كانت وحدة الإرادة الداخلية وتوحد الصف الوطني، من بعد توفيق الله الحافز الأكبر لكتابة النصرى التحرير. ولابد له أن يستكمل ببناء دولة المؤسسات من خلال ملأ الفراغ الناشئي بتشكيل حكومة انتقالية قومية من الكفاءات والتكنوقراط ذات شرعية شعبية قادرة على إدارة البلاد؟ لن تترك البلاد تدخل مرة أخرى في نفق الفراغ السياسي المفضي إلى الفوضى ودولة الناشطين !؟
2. التعامل مع القوى العسكرية: احدي تعقيدات المشهد الداخلي كان كابوس مليشيا الدعم السريع الذي دحر الآن وفي طريقه للفناء والانقراض الأبدي ..وبالتالي فان الإسراع في دمج وتسريح القوات الخاصة بالحركات المسلحة المتعددة والتي هي الآن شريكة ساحات القتال وتقف الي صف القوات المسلحة ومنظومة الجيش الوطني الموحد، ودمجها يكفل إسدال الستار أمام الانقسامات والمكونات العسكرية خارج إمرة الجيش الوطني وسيطرته !؟
3. الاقتصاد والإعمار: تضافر الجهود وتكامل حلقاتها في نهضة القطاع الاقتصادي وتفجير طاقاته، للاستعداد لمعركة البناء والإعمار واعادة التأهيل والتعمير لما دمرته الحرب ، والتعاطي بجدية مع الأزمة الاقتصادية التي فاقمتها اوضاع الحرب وإعادة بناء البنية التحتية المنهارة وكل ما يجبر ضرر وخاطر شعبنا ؟
4. تحقيق العدالة والمصالحة: هذه أم القضايا فيما وقع من جرائم وعنف وارهاب، بأعمال مبدأ المحاسبة على الجرائم والانتهاكات، وتثوير البلاد والشعب بالدستور والقانون وتقزيم عرف التسويات السياسية على خلفية الحرب والتي قد تؤدي إلى إفلات البعض من العقاب وتقنين الاعتداء على الدولة والشعب!؟
5. التدخلات الخارجية: مراجعة سياستنا الخارجية وتحالفاتنا والأوضاع الأمنية وترتيباتها الداخلية وعلى حدودنا واستراتيجياتها كافة ، قضية ملحة وفي غاية الخطورة، مهما أنفق فيها وحشد لها من الدعم والعتاد والأجهزة والمعدات ونظم التسليح والرقابة الإلكترونية المتطورة والتدريب. تظل غاية كبرى في ظل ما تواجهه البلاد من تحديات جسام و أطماع أجنبية وأجندات خارجية .. وليس أعظم ولا أكبر وأولى من هذه الركيزة لحاضر ومستقبل أمتنا ودولتنا بعد الذي قدمته من كلفة وتحملته من صعاب ومتاعب . وأن الاجندة الوطنية والمبادرات القومية هي منصة الاستقرار الحقيقي ورمانته للاستدامة مهما بلغ شر الخارج وتعاظمت ترسانته فإن الرجال (من أهل الولاء لله والوطن ) والرهان عليهم بشواهد التاريخ والتجارب أوفر حظا وأضخم مكسباً واستثماراً من الحديد والعتاد والمال في أدوات النصر وأسبابه.
وسياج حرمات البلاد وسيادتها من تأثير الأطراف الإقليمية والدولية على مسار الأحداث وخاصة شأننا الداخلي!؟
تحرير الخرطوم يبقى سيرة ومسيرة من المغازي والقصص والأحاجي لتاريخ البطولات والملاحم العسكرية، بحاجة الي كتب ومراجع ومؤلفات لتوثيق سفره والمفارقة بين (لكم والكيف )..وقد ظل السجال من قبل أنصار التمرد وحلفاءهم أن الخرطوم عصية على الإسترداد والتحرير، وكانوا يتمترسون بها ويحيطون بكل محافظاتها وأحيائها إحاطة السوار بالمعصم، ولكن إرادة الله الغالبة وعزيمة الجيش السوداني في الزود والنصر، ونصرائه وسنده الشعبي كانت الأقوى والأبقى.بمعنى آخر، فان تحرير الخرطوم يعد لحظة انتصار فارقة في معركة الكرامة، لكنه لن يكون الضمان الوحيد لتحقيق الاستقرار والسلام المستدام وتطلعات امتنا في الرفاه والسلم المجتمعي والانتقال الديمقراطي، بل سيكون اختبارًا حقيقيا لقدرة كافة السودانيين الي جانب جيشهم الوطني على تجاوز خلافاتهم وتوحيد صفهم وقبلتهم للقفز فوق هذه الجراح والظلامات، وبناء مستقبل مشترك وبلد مستقر وآمن تحرسه مؤسسة عسكرية موحدة بهذا الرصيد من الفخار والمجد والسؤدد وإستعادة تاريخ أمتنا وكبريائها ونضالاتها.. والله المستعان،،،،

