تجربة فيتنام بعد الحرب والدروس المستفادة
وفاق صلاح عبدالعال مبروك
ابريل 2025
تحول اقتصاد فيتنام من الزراعة إلى التصنيع والخدمات بعد حرب مدمرة استمرت زهاء العشرون عاما شلت المجتمع ودفعت الاقتصاد المحلي إلى الحضيض. تحولت فيتنام بعدها الى واحدة من أبرز المراكز العالمية للتصنيع، حيث تستقطب شركات التكنولوجيا والسيارات والإلكترونيات، والملابس بشكل متزايد، ومن المتوقع أن تشهد هذه الدولة التي تعد من أسرع الاقتصادات الآسيوية نمواً، تزايداً هائلاً في الثروة خلال العقد المقبل، مع تعزيز مكانتها كقاعدة تصنيع عالمية.
أعادت سياسة “دوي موي” (Doi Moi) -بمعني التجديد أو الابتكار وهو الاسم الذي أُطلق على المبادرات الاقتصادية في فيتنام البلاد إلى المسار الصحيح، حتى أنها تجاوزت أقرانها الإقليميين، حيث نمت بمعدل نمو سنوي مركب أكبر من 5% على مدى السنوات الثلاثين المنصرمة. يشبه نموذج النمو في فيتنام بعد الحرب نموذج اليابان وكوريا الجنوبية والصين وسنغافورة إلى حد كبير حيث اتبعت هذه الدول “وصفة النجاح” ذاتها، أي التحول الكلي من الاقتصادات القائمة على الزراعة قبل الستينيات إلى التصنيع والتجارة الدولية وتشييد البنية التحتية وتحسنت الخدمات الأساسية التي شكلت أساسًا قويًا للتنمية، والانتقال من الصناعات اليدوية إلى الصناعات كثيفة رأس المال. أعطت هذه البلدان الأولوية للتدخل الحكومي في الاقتصاد، مع التركيز على سياسات التنمية التي تقودها الدولة وتعزيز الصناعات الرئيسية من خلال الإعانات المستهدفة والاستثمار.
تحولت فيتنام إلى التصنيع الموجه نحو التصدير، لأنها تبنت سياسة تحرير التجارة. وقّعت البلاد اتفاقيات تجارية شاملة مع الأسواق الرئيسية مثل الولايات المتحدة، ونفذت سياسات جعلتها جذابة للاستثمارات الأجنبية.
كان لاقتصاد فيتنام العديد من المحركات الرئيسية التي ساهمت في نموها الاقتصادي القوي حيث تشمل عوامل النمو التقليدية البنية التحتية والاستثمار والتعليم وسهولة ممارسة الأعمال التجارية واستقرار الاقتصاد الكلي.
وتتلخص المعجزة الاقتصادية لهذا البلد في التقاء عدة عوامل، وهي قوة عاملة ملتزمة للغاية، ومجمعات صناعية ممتازة، ومجموعة واسعة من الشركاء الاستثماريين والتجاريين، وموقع جغرافي بجوار الصين، وحكومة تفي بالتزاماتها تجاه الشركات متعددة الجنسيات، واقتصاد محلي ريادي للغاية. على عكس “النمور الآسيوية” السابقة، تتمتع فيتنام بقطاع ديناميكي وسريع النمو يقوده رواد أعمال مدعومون بالتكنولوجيا ومشاركة الشركات متعددة الجنسيات الآسيوية. وتستفيد فيتنام أيضًا من استقلالها عن أي “قوة عظمى”، مما يعني أن لديها تنوعًا مناسبًا لكل من الشركاء الاستثماريين والتجاريين دون المخاطرة بإزعاج سوق معينة.
حسب راي الاقتصاديين فأن هناك سبعة عوامل تقف وراء نمو الاقتصاد الفيتنامي وخاصة في مجال التصنيع وهي:
• الاستثمار في البنية التحتية، حيث انفقت فيتنام نحو 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لها على البنية الأساسية، ويعتبر ذلك من أعلى المعدلات في منطقة الآسيان، حيث الطرق السريعة والموانئ البحرية والتجمعات الصناعية وخاصة تجمعات الإلكترونيات، وقد ساهمت البنية الأساسية واللوجستية بحوالي 4.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
• المشاركة الفعالة في البيئة التجارية العالمية، وذلك عن طريق المشاركة بعقد اتفاقيات تجارية ثنائية، وبالتالي فإن جودة المنتج والتصنيع وضمان حقوق العمال في ظل تلك الاتفاقيات ساعد فيتنام بأن تصبح مركزاً عالمياً للتصنيع وتوسيع قاعدة التصدير، وقد ساهمت سياسات فيتنام الصديقة للمستثمرين في جذبهم إلى الاستثمار فيها، وخلق بيئة حرة ومحايدة وتحقيق التفاعل الأعمق مع المستثمرين الحاليين والمحتملين، إذ يشير البنك الدولي إلى أن الصناعات التحويلية لعبت دوراً هاما كمساهم رئيسي في نمو الاقتصاد الفيتنامي بنسبة بلغت 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
• سيادة الأجور التنافسية والإنتاجية المرتفعة، حيث تمتلك فيتنام قوة عاملة شابة ومتقنة وتتسم بأخلاقيات العمل الدؤوب ما جعل تكاليف العمالة تنافسية، وأيضا تمتلك أكثر من 40 بالمئة من خريجي الجامعات متخصصين في الهندسة والعلوم، وهو ما وفر للشركات الساعية الفرص للإنتاج الكفء والفعال من حيث التكلفة وكذلك بيئة الأعمال المواتية ما جعل من فيتنام وجهة جاذبة للاستثمار في التصنيع.
• قرب فيتنام من الأسواق الناشئة، حيث تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجيا ًوقد تمكن الاقتصاد الفيتنامي من أن يكتسب مكانة متقدمة كمركز إنتاج عالمي من بين 6 مراكز في قائمة الموردين المرغوبين لشركة (Apple) على سبيل المثال. بالإضافة إلى تزايد الرغبة في البلاد كموقع للتصنيع حيث تبحث الشركات عن بديل للصين مثل شركات (Apple ،Samsung).
• بروز الاقتصاد الفيتنامي كحلقة وصل هامة في سلاسل التوريد العالمية، حيث بلغت صادراته من إجمالي صادرات السلع فائقة التقنية حوالي 19.4 بالمئة في 2022، وبلغت صادراته من أجهزة الكمبيوتر 71.93 بالمئة وبرزت بقوة كقاعدة لصناعة الإلكترونيات ومكونات الهواتف المحمولة.
• تمتع الشركات بحزم حوافز حكومية، وتتمثل هذه الحوافز بتخفيض معدلات الضريبة على دخول الشركات، أو تخفيض رسوم الاستيراد للأصول الثابتة، وبعض الإعفاءات أو التخفيضات في إيجارات الأراضي ورسومها.
• توافر البيئة الملائمة للأعمال التجارية، حيث تمكنت من تنفيذ الاستراتيجيات الفعالة لإدارة المخاطر، ومواجهة التحديات في عمليات التصنيع، واتباع احكام قوانين العمل والامتثال للوائح البيئية.
هنالك كثير من الدروس لنتعلمها من البلاد التي نجحت في الخروج من حروب مدمرة كقوة اقتصادية يشار اليها بالبنان وفيتنام بدون شك واحدة من هذه التجارب الناجحة والاستفادة من كل ما ذكر اعلاه لايجاد المعادلة الناجحة فيما يخص وضع نهضتنا في فترة ما بعد الحرب

