أنظمة طاقة مرنة وحلول مبتكرة لإدارة مخاطر الطقس المتطرف
الدوحة: مجله حواس
الفيضانات الناجمة عن إعصار ديبي في ولاية فلوريدا
لم تعد الظواهر المناخية المتطرفة حالة استثنائية، بل أصبحت جزءًا من الواقع اليومي الذي يفرض تحديات غير مسبوقة. ففي عام 2024، شهد العالم 151 كارثة مناخية، وهو رقم قياسي لم يُسجل من قبل، حيث تنوعت الظواهر بين فيضانات مدمرة، وحرائق غابات مروعة، وموجات حر استثنائية، تجاوز فيها عدد النازحين 800 ألف شخص حول العالم.
ووفقا لتقرير لمؤسسة العطيه الدوليه للطاقة شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عامي 1981 و2020، ارتفاعا في درجات الحرارة بمعدل 0.36 درجة مئوية كل عشر سنوات، فيما شهدت أشهر الصيف خلال نفس الفترة ارتفاعًا أكثر حدة بمعدل 0.45 درجة مئوية. كما سجلت المنطقة موجات حر قياسية، أبرزها كان في يوليو 2023، حيث بلغت درجات الحرارة في الجزائر 51 درجة مئوية، و49 درجة في تونس، و46 درجة في الأردن، علما بأن هذه الأرقام لا تعكس فقط ارتفاع الحرارة، بل تنذر بتداعيات خطيرة مثل الأزمات الصحية المميتة.
في ضوء هذه الأحداث أصدرت مؤسسة العطية ورقة بحثية جديدة بعنوان: “مواجهة كوارث الطقس المتطرف”، التي استعرضت من خلالها أبعاد هذه الظواهر والمخاطر المالية والتشغيلية والبُنى التحتية التي طالت مختلف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع الطاقة، الذي أصبح أكثر عرضة لمخاطر تقنية ومالية متنامية، نتيجة الاضطرابات المتكررة في الإنتاج، سواء من مصادر الطاقة التقليدية أو المتجددة. فعلى سبيل المثال، أدى الجفاف إلى انخفاض كفاءة محطات الطاقة الكهرومائية، مما اضطر العديد من الدول إلى العودة لاستخدام الوقود الأحفوري خلال موجات الحر الشديدة. في المقابل، تسبب تراكم الثلوج وتكوّن الجليد في تعطيل توربينات الرياح، وزيادة تكاليف الصيانة، وتقليص فترات التشغيل الفعّال.
أما الفيضانات، فتمثل تحديًا مضاعفًا، وتعقد الوصول إلى مواقع الإنشاء والتشغيل، فضلاً عن إضعاف التربة وإلحاق الاضرار بالبنية التحتية، مثل الكابلات الأرضية، والمحطات الفرعية، وشبكات التوزيع، مما يؤدي إلى تأخيرات في ربط المشاريع بالشبكة الكهربائية، وزيادة في التكاليف، وإطالة المدة المطلوبة لتحقيق العوائد على الاستثمار.
ومع تزايد تعرّض منشآت الطاقة للمخاطر الناتجة عن التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية، تبرز الحاجة إلى أن تتخذ الحكومات والشركات خطوات استباقية للتعامل مع هذه التهديدات. ومن بين الحلول الحديثة التي تحظى باهتمام متزايد برز ما سمي بالتأمين “البارامتري”، وهو نموذج مبتكر يختلف عن التأمين التقليدي في آلية التعويض، إذ يوفر تعويضات مالية فورية استنادًا إلى مؤشرات مناخية محددة مثل درجة الحرارة، أو سرعة الرياح، أو كمية الأمطار، دون الحاجة إلى إجراء تقييم تفصيلي للخسائر بعد وقوع الحدث.
ويتميّز هذا النموذج بالشفافية والمرونة وسهولة التطبيق، ما يجعله أداة فعالة لتخفيف الأعباء المالية الناتجة عن الكوارث المناخية. كما يوفّر لشركات الطاقة سيولة فورية تُمكّنها من إصلاح الأضرار بسرعة أو تعويض الخسائر التشغيلية، مما يقلل من فترات التوقف ويسرّع عملية التعافي. وفي ظل تزايد التقلبات المناخية، يمكن أن يشكّل هذا النوع من التأمين مكملًا للتأمين التقليدي، ويسهم في تعزيز مرونة أنظمة الطاقة واستدامتها.
وتُسلّط الورقة البحثية الضوء أيضًا على أهمية تبني استراتيجيات شاملة لإدارة مخاطر تغير المناخ، تشمل تعزيز مرونة الشبكات من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتنبؤات المعتمدة على التحليل، وتحصين البنية التحتية، إلى جانب تنويع سلاسل الإمداد لتقليل الاعتماد على المناطق الأكثر عرضة لتلك المخاطر.
ورغم ضخامة التحديات، فإن إعادة تعريف مفهوم “المرونة”، وتوظيف الأدوات المالية المبتكرة، وتحويل نقاط الضعف إلى فرص استراتيجية، يمكن أن تساعد الحكومات والشركات على بناء مستقبل أكثر قدرة على التكيف، وأكثر أمنًا واستدامة في مواجهة التقلبات المناخية المتسارعة.

