أيام في مرسيليا الفرنسية
بقلم يحيى ميرغني
مرسيليا هي كبرى مدن جنوب فرنسا، وتطل على البحر الأبيض المتوسط، وبها أكبر موانئ فرنسا التجارية، وهي أيضًا عاصمة اقليمية ذات جالية عربية وإسلامية مقدرة، وتلك سمة واضحة يعبر عنها مظهر الغالبية من سكانها ونمط حياتهم. تمنيت لو كنت يافعًا كي أجعلها مستقرًا لي من كثرة ما رأيت فيها من جمال للطبيعة ومناخ مثالي وانصهار سكاني رغم تعدد الأصول وتنوع الثقافات. ومع إن فرنسا تمتاز باحتضان التنوع بشكل عام، تجد مرسيليا تتميز على مدنها الأخرى في هذا الجانب.
وصلتها بالقطار السريع من مونت كارلو وحالفني التوفيق في اختيار سكنًا مناسبًا مستفيدًا من تجربتي السيئة مع البطاقة الإئتمانية، فحجزت الفندق وسددته سلفًا بواسطة إحدى وكالات السفر في مونت كارلو. عند وصولي، وجدته يبعد بخطوات عن المحطة فانطلقت إليه راجلًا بلا دليل. كان فندقًا جميلًا ويقع على الشارع العام وفي مقابله سلسلة من المتاجر والمطاعم الشرقية، والأخيرة كنت أحتاجها عاجلًا بعد فترة الصيام القسري في مونت كارلو. أكملت اجراءات الفندق وخرجت أستكشف الجوار العامر بالمحلات، ودخلت مطعمًا عليه علامة (حلال) وهو تصنيف شائع يميز مأكولات بعض المطاعم عن الأخرى بما يشير الى أنها تقدم اللحوم المذبوحة على الطريقة الإسلامية و إقرارها الضمني بعدم تقديم لحم الخنزير أو استخدام شحمه في طهي الطعام. أكلت وكأني لم آكل من قبل، ثم توقفت ولدي رغبة لتناول المزيد، لخوفي من الإصابة باضطرابات في المعدة، محدثًا نفسى ب (لاوقت للمرض) مع برنامج الرحلة المحسوب بدقة.
تجولت ببزخ، (إن جاز لي التعبير)، مدفوعًا بجمال الأمكنة والرغبة في بذل مزيدًا من الطاقة، آملًا في أن يُسَرِعْ ذلك في هضم تلك الوجبة المتخِمة. أثناء التجوال، وضح لي قرب الفندق من مركز المدينة، ما جعلني أتوجه اليه راجلًا صباح اليوم التالي. في مرسيليا يتلاشى عائق اللغة، فأغلب المحلات والمطاعم لا تخلو من متحدثي العربية بلهجاتها المختلفة بجانب المعرفة الكافية بالإنجليزية والفرنسية، كما وإن الكثير من السلع المعروضة من منتجات دول شرقية، وهذا يوفرعلى البائع والمشتري المزيد من الإستفسارات.
عدت للفندق بحالة معنوية عالية، فسبحان من جعل التوافق في العادات والثقافات سكنًا وطمأنينة. ألم أبثكم من قبل أمنيتي بأن يعود الزمن للوراء، فأختارالعيش في تلك المدينة!!
تتشابه مرسيليا الى حد كبير مع أمستردام، فكلاهما يطل على البحر ويحمل نفس الملامح السياحية. وفيهما شطآن بزوارق تجوب البحر بالسياح بتجهزات عالية لوسائل السلامة ، وللسلامة معايير تتشدد فيها الدول الأوربية، وفي الإتجاه الآخر تتراخى في ضبط البعض من قيم الأخلاق، بذريعة الحريات، متجاهلة الأطر الدينية والفطرة الربانية. يلاحظ أيضًا أن المظهر العام في المجتمعات الأوربية ذات الأجناس الشرقية يبدو اكثر احتشامًا مقارنة بغيرها، وهذا يُشاهد بجلاء في مرسيليا، وما يعضد تلكم الملاحظة، ما ورد بموسوعة (ويكيبيديا)، بما يفيد بأن مرسيليا قد تصبح أول مدينة ذات غالبية مسلمة في أوروبا الغربية، ويشير نفس المرجع الى نسبة مسلميها الواقع بين 20% و25% متصدرة بهذا مدن غرب أوروبا.
لا تختلف الترتيبات السياحية في مرسيليا عن غيرها من المدن التي مررت بها، كما تمتاز بطرق محاذية للجبال المحيطة بالمدينة. وأهم معالمها السياحية الرئيسة هي الميناء التاريخي، وأخرى تُعرف بالحصون، كحصني القديس نيكولاس والقديس سان جان، وهما جزء من تاريخ مرسيليا البحري كما يقول الدليل. هنالك أيضًا المدينة القديمة بأسواقها وطرقها الضيقة نسبيًا، وتتخذ الجولات السياحية مسارًا يمر ببعض المنتزهات والمتاحف، أهمها متحف مرسيليا التاريخي ومتحف الحضارات الأوربية والمتوسطية.
مرسيليا، الوحيدة التي تمنيت أن أطيل فيها أقامتي، وكنت لإفعلها لولا برنامجي المحسوب، فعليَّ مواصلة السفر جنوبًا الى أسبانيا قاصدًا معالمها الأندلسية مارًا ببرشلونا، أكبر المدن الكتالونية، ومن منا لايعرف ناديها الرياضي العريق؟.
والى اللقاء.
نقلا عن صحيفة قضايا

