السفير : د. ابراهيم عوض البارودي سفير السودان لدى النيجر يكتب :
دبلوماسية المصالح
عندما كتبت عن دبلوماسية التنمية باعتبارها إحدى ركائز العمل الخارجي الحتمية لدولة مثل السودان، اعتقد البعض أن ذلك حديث ترف ونافلة قول في ظل ما يعايشه السودان من أزمات وعدم استقرار ينفر كل من تحدثه نفسه بالاستثمار والشراكة الاقتصادية. لذلك عدت لأوضح بعض الثوابت التي تاهت عنا في خضم غبار المعركة ودخان البارود وهي أن هذه الحرب من مثيرات إوارها وقادحات شرارها إدارة المصالح المشتركة بين السودان والعالم من حولنا. وذلك لأن السودان بلد متخم بالثروات الطبيعية التي يسيل لها لعاب الغير. فعملية استغلال هذه الثروات ليست خيارا يملكه السودان وحده بغير دخول في تفاهمات مع الدول المالكة لمفاتح التكنلوجيا والمال. لأن التباطؤ في هذه العملية التكاملية التي تحقق تبادل المصالح على أسس متفق عليها بين الأطراف قد يغري بعض الدوائر الخارجية للتربص بنا لاستغلال ثرواتنا بغير إرادتنا عبر خلق ما يعرف بالفوضى الخلاقة التي تشل الدولة وتتيح المجال لغيرها بالتدخل عبر طرق ملتوية لنهب ثرواتها.
ولعل ما جرى على الساحة السودانية في السنين الأخيرة من خراب في الاقتصاد ودمار للبنى التحتية ما هو إلا عنوان لعدو غاشم طامع في مقدّرات بلادنا فلو كنا بلا مقدرات لما تجشم العدو كل هذا العناء لتدميرنا. وأنا هنا أتحدث عن الغاية الكبرى والدافع الأقصى لمن دبر هذا الهلاك لبلادنا فالقائل بأن الحرب دوافعها سياسية وغايتها تغيير وضع قائم لا يرى ما وراء الأشياء ويحدق بلا رأس ويرقص بلا ساق كما قال شاعرنا الفيتوري.
روى الكاتب الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل في كتابه حرب الخليج الثانية أن أول أمين عام للجامعة العربية عبد الرحمن عزام حضر للملك عبد العزيز آل سعود عام ١٩٤٨ وطلب منه أن يمنع تصدير النفط إلى الدول الغربية. قال عزام: (نظر إلي الملك نظرة بدوي محارب قديم وسألني ؛ هل كنا نعلم أن تحت أرضنا يوجد زيت ؟ قال أجبته بلا. قال وبعد أن علمنا هل كنا نستطيع إخراجه ؟ قال أجبته بلا. قال هؤلاء القوم أتوا وأخرجوا هذا الزيت وباعوه وأخذوا نصيبهم وأعطونا نصيبنا فلماذا أعاقبهم) .
هذه الفلسفة للملك السعودي حينها لعلها هي التي أسست لما نراه الآن من استقرار ونماء بالمملكة العربية السعودية الشقيقة. فالحكمة تقول بأن بناء العلاقات القائم على تبادل المصالح الاقتصادية والمنافع أجدى من استجداء التعاطف والمواقف المؤيدة التي تأتي عادة نتاجًا طبيعيًا لعلاقات المصلحة المتبادلة فلا مكان للعواطف في العلاقات الدولية وقد قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ” إنما تبكي على الحب النساء”.

