سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/5)
د. النور الكارس
تنويه:
الصُّور المُرفَقة توثِّق مشاهد حيَّة التقطها المصوِّر نادر الطيب خلف الله أثناء تصوير الفيلم الوثائقي “سوق أم درمان، معمِّر لا يشيخ”، وهي تجسِّد بعض اللَّحظات والوقائع التي ورد ذكرها في هذا الجزء من المقال.
(5)
سوق الذَّهب (شارع الصُّيَّاغ):
لا يذكر سوق امدرمان دون الحديث عن سوق الذَّهب، ولا يذكر الأخير دون الإشارة إلى آل تبيدي. إنَّ أوَّل من افتتح محلًّا لبيع الذَّهب بأم درمان كان نفرًا من هذه العائلة الكريمة، وقد بدأوا نشاطهم النَّفيس في العاصمة الأرتريَّة “أسمرا”، ثمَّ عادوا إلى السُّودان محمَّلين بالمال الوفير، والصِّنعة المترفة، والأحلام الذَّهبيَّة الكبيرة.
ومع مرور السنوات على عودتهم، دخلت أسر أخرى هذا المجال، منهم آل مُلَّة، و آل أبو عبدة، و آل الأمين أرباب، وبمرور العقود ازداد عدد المحلَّات بسوق الذَّهب حتَّى تجاوز الأربعين. يعمل في هذا السُّوق فنِّيون مهرة، دخلوا هذا المجال منذ عدَّة عقود، من بينهم – على سبيل المثال لا الحصر – محمود كوكو، وعبد الغني كوكو، وهاشم عبد الرَّازق.
واليوم، يشهد هذا السوق مزيدًا من التَّقدُّم والتَّطوُّر؛ حيث يبدع هؤلاء الفنيون تشكيلات فذَّة من المصوغات المحلِّيَّة، تنافس تلك المستوردة من الخارج.
عمارة “أبو مرين”:
غادرتُ سوق الذَّهب، واتَّجهت شمالاً نحو عمارة “أبو مرين”، التي يرجع تاريخ بنائها إلى أربعينيات القرن العشرين. هذه العمارة الشهيرة تسكنها الآن بعضٌ من أسر هذه العائلة، التي ظلَّ أفرادها مهتمِّين بالتُّراث السُّوداني، لا سِيَّما أدوات “الجرتق” المستخدمة في مراسم الزَّواج والختان.
تُعرض في محلَّات “أبو مرين” أدوات تراثيةَّ عديدة، مثل: الدَّلُّوكة (المرتبطة بالغناء الشَّعبي)، الحنَّة، البخور، الصِّبغة، المباخر والإكسسوارات الذَّهبيَّة التي ترتديها العروس في ليلة زفافها، إلى جانب حُلي العريس والطِّفل المختتن.
وهذه الأدوات التُّراثية دفعتني دفعًا إلى مغادرة العمارة، والتوجُّه غربًا نحو سوق العناقريب، حيث توجد أدوات تراثيَّة من نوع آخر.
سوق العناقريب:
سوق العناقريب، وما أدراك ما هو! إنَّه سوق مشهور يقع غرب عمارة “أبو مرين”، ويعمل فيه نسَّاجون ورثوا هذه الحرفة أبًّا عن جدّ. أكفُّهم تستحقُ أن تُلَفّ بحرير المهارة قبل حبال السَّعف والبلاستيك.
بدأت صناعة العناقريب في أمدرمان منذ فجر الدَّولة المهديَّة، ومرَّت بمراحل من التطوُّر، قبل أن تتراجع مؤخَّرًا أمام طوفان البدائل الحديثة؛ إذ سحبت الأّسِرَّةُ الحديديَّة البساط من تحتها، وفرشت أمامها بساطي الأفراح والأتراح!
ينقسم الطَّلب الحالي على العناقريب إلى نوعين: أحدهما يُطلى بألوان زاهية ليستخدم في طقس الجرتق كعرش يتوِّج عليه العريس والعروس، والآخر، ينجر بآلات حادَّة ليستخدم كوسيلة لحمل المتوفى إلى مثواه الأخير.
وبين هذين النَّقيضين، يقف صنَّاع العناقريب حائرين. هذا ما حدَّثني به الحاج مصطفى سعد، التَّاجر والنجَّار، وقد امتزج صوته بالحسرة وهو يروي لي كيف انحسر مجد العناقريب أمام هيمنة البدائل الحديديَّة، بعدما كان الطَّلب كبيرًا من الأُسَرِ، وداخليَّات الطُّلَّاب، وحتى معسكرات الجيش.
إن كنت من محبِّي التُّراث الشَّعبي (والخطاب للجنسين)، اِلْزَمْ مكانك في سوق العناقريب، وتأمَّل مراحل هذه الصناعة الفريدة: بدءًا بنجر الخشب، مرورًا بنسجه، وانتهاءً بطلائه و ضع اللَّمسات الأخيرة عليه.
أمَّا إن كنت من عشَّاق النَّشاط والحيويَّة، فلا تتردَّد في زيارة زريبة العيش (الذُّرة الرَّفيعة).
زريبة، أو سوق العيش:
غادرتُ سوق العناقريب، واتَّجهتُ غربًا نحو سوق العيش بحي العرب. هناك تفاجأت بحركة العمال النَّشطة، التي لم تضعفها ذرات الذُّرة البيضاء التي تتطاير في الهواء وتغطي الوجوه، بل تضفي على المشهد سحرًا خاصًّا.
نصيحة غالية: إن أردت أن ترى هذا السوق حقًّا (والخطاب أيضاً للجنسين)، لا تنظِّف عينيك من هذه الذَّرَّات المشاغبة، بل افتح قلبك لترى- بعين بصيرتك- العاملين وهم يشكِّلون لوحة سودانية بهيَّة، تتَّحد فيها الأعراق وتتنوَّع الألوان، تحت سقف الوطن الحبيب وسعي الرزق الحلال.
يعود تاريخ هذا السوق إلى القرن الثامن عشر، حين جاء الحاج محمد إدريس – الذي كان يصنِّع المراكب في جزيرة لبب – مع الإمام المهدي إلى أم درمان، حيث بدأ عمله في تجارة العيش، ثمَّ ورثها لأحفاده، الذين حافظوا على استمراريتها.
وكان الحاج محمد يشتري الذُّرة من مناطق وسط السُّودان، ويستلمها من مرسى للمراكب في موقع “كبري شمبات” الحالي، ثمَّ تُحمل على ظهور الجمال إلى سوق في منطقة الفتيحاب.
و في الأربعينيات من القرن العشرين، انتقل سوق الذُّرة من الفتيحاب الى أمدرمان، ثمَّ إلى جوار سوق الحدَّادين، قبل أن يستقر في موقعه الحالي بحي العرب في السبعينيات، في هذا المكان الذي كان يضمُّ سابقًا سوق المواشي، الذي تمَّ تحويله الى السُّوق الشَّعبي، ثمَّ نُقل لاحقًا إلى منطقة المويلح.
حديث له شجون… عن الحمير!
لا يذكر سوق المواشي في أمدرمان إلَّا ويُذكر معه حضور الحيوانات. لكنني، هنا، أودُّ أن أتناول الأمر من زاوية مختلفة تجعل منه حديثًا له شجون… إنَّه الحديث عن الحمير! وسيلة النقل القديمة في هذا السوق العتيق، والتي كانت – من حيث الفخامة والنَّوع واللَّون – لا تقلُّ شأنًا عن السيارات المعاصرة!
وكانت لمواقف الحمير مكانة وتدرُّج، كما هو الحال اليوم مع مواقف السيارات: فهناك مواقف شعبيَّة للحمير، وأخرى لكبار الزُّوار، وثالثة لكبار التجَّار، الذين نعرفهم اليوم برجال الأعمال وأصحاب الغرف التِّجاريَّة.
يتبع…
مع تحياتي،
د. النور الكارس



