هل قام السودان ما فيه الكفاية في مجال الاستثمار الرقمي؟
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابرهيم
شهد الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الرقمي عالميًا نحو 360 مليار دولار في عام 2024، موزعًا على قطاعات رئيسية مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات الرقمية. وخلال السنوات الخمس الماضية، تجاوز حجم الاستثمارات في الابتكار الرقمي بالدول النامية حاجز 500 مليار دولار، إلا أن هذه الاستثمارات تركزت بشكل كبير في عدد محدود من الدول. فقد استحوذت 10 دول نامية فقط على نحو 80% من المشاريع الرقمية الجديدة، وتشمل هذ الدول الهند، ماليزيا، إندونيسيا، سنغافورة، فيتنام، المكسيك، الصين، البرازيل، السعودية، وتايلاند.
على الصعيد العالمي، هناك طلب متزايد لتوسيع الاتصال الشامل بالإنترنت في الدول النامية والناشئة، تُقدّر تكلفته بحوالي 418 مليار دولار، يوجَّه معظمها نحو الأسواق النامية (73%) والدول منخفضة الدخل (27%). وحسب بيانات Statista الخاصة بسوق الاستثمار الرقمي، بلغ حجم المعاملات الرقمية في السودان عام 2024 نحو 723.9 مليون دولار أمريكي، تشمل خدمات مثل المنصات الرقمية والاستشارات الرقمية. كما يُقدَّر حجم الإنفاق على معدات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنحو 330 مليون دولار في 2025. وتشير التوقعات إلى أن حجم المعاملات الرقمية سيرتفع إلى 858.6 مليون دولار في 2025، مع معدل نمو سنوي مركب يناهز 4.77%، ليصل إلى حوالي 1.03 مليار دولار بحلول 2029. بالمقارنة مع دول خليجية وأوربية فان حجم الاستثمارات الرقمية في الأمارات 2.2 مليار دولار و والمملكة المتحدة 1.5 مليار دولار والولايات المتحدة 11 مليار دولار. والهند 1.4 مليار دولار. وبحسب بحث أجرته مجموعة يوستن الاستشارية مؤخر فقد شهد قطاع التكنولوحيا المالية ايرادات قدرت بثلاثة أضعاف ايرادات القطاع المالي ككل في عام 2024. ووصف هذا القطاع بأنه دخل مرحلة النضج.
باستخدام بيانات من البنك الدولى،صندوق النقد الدولى، ويكيبيديا، صحيفة الخليج الأمارتية 26 يوليو 2025، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة في عام 2024 حوالي 29.1849 تريليون دولار أمريكي. ووفقًا لصندوق النقد الدولي بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للهند في عام 2024 نحو 3.94 تريليون دولار أمريكي. ووفقًا للبنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للإمارات عام 2024 حوالي 537.08 مليار دولار أمريكي. التقديرات الواقعية المنتشرة من مصادر موثوقة مثل مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للمملكة المتحدة نحو 3.59 تريليون دولار تقريبًا في العام 2024. حجم الاستثمار الرقمي في هذا الدول: السودان 723.90مليون، الولايات المتحدة 11 مليار، المملكة المتحدة 1.5 مليار، الهند 1.4 مليار والأمارات 2.2 مليار. حساباتنا لحجم الاستثمار الرقمي للناتج المحلي الاجمالي أعلاه لهذه الدول كالتالي: السودان 0.24%، الولايات المتحدة %0.04،الهند 0.03%، المملكة المتحدة 1.5%، والأمارات 0.4%.
هذا يعني أن القياس هنا نسبي وليس مطلقًا؛ فالمقارنة لا تقوم على حجم المليارات المنفقة، بل على نسبة ما يمثله الاستثمار الرقمي من حجم الاقتصاد الكلي. قياس حجم الاستثمارات الرقمية بالدولار مفيد لفهم حجم السوق الفعلي، لكنه لا يعكس القدرة الاقتصادية النسبية لكل دولة. قسمة الاستثمار الرقمي على الناتج المحلي الإجمالي يعني أن القياس هنا نسبي وليس مطلقًا؛ فالمقارنة لا تقوم على حجم المليارات المنفقة، بل على نسبة ما يمثله الاستثمار الرقمي من حجم الاقتصاد الكلي، أي عن مدى أولوية الاستثمار الرقمي بالنسبة لحجم الاقتصاد الكلي. ربما تكون الدولة الصغيرة أكثر كثافة رقمية رغم أن القيمة المطلقة أقل اذا تم القياس بحجم الاقتصاد. يمكن أيضا قياس الاستثمار الرقمي للفرد بتقسيم حجم الاستثمار الرقمي على عدد السكان. هذا يكشف مستوى الاستفادة الفردية من الاستثمار بمقارنة دول مكتظة بالسكان (مثل الهند) مع دول صغيرة (مثل البحرين). كما يمكن قياس نسبة الاستثمار الرقمي إلى الاستثمار الكل. وهذا يقيس ما إذا كان الاستثمار الرقمي أولوية ضمن هيكل الاستثمار الوطني. مما يكشف التوجهات الاستراتيجية: هل الاقتصاد يركز على التكنولوجيا أم على قطاعات تقليدية. قياسا بحجم الاقتصاد في هذا المقال ومن النتائج أعلاه يتضح أن السودان قام باستثمار نسبة 0.24% مقارنة بحجم الاقتصاد الذي يمثله الناتج المحلي الاجمالي بالمقارنة مع بقية الدول المختارة يأتي السودان ثانيا، والأمارات أولا تليها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند أخيرا. هذا يعني أن النظره الى حجم الاستثمار الرقمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الصورة تختلف كثيرًا عن النظر إلى حجم الاستثمار المطلق. فبينما تمتلك دول ذات دخول مرتفعة مثل السعودية أو الإمارات أو الهند ناتجًا محليًا إجماليًا أكبر بكثير من السودان، إلا أن نسبة ما يوجهه السودان من اقتصاده المحدود نحو الاستثمار الرقمي تُعتبر أعلى نسبيًا.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن السودان، رغم محدودية موارده، يضحي بجزء أكبر من اقتصاده لتعزيز الاستثمار الرقمي مقارنة بالدول الغنية. ويعكس ذلك أيضًا وضع انتشار الإنترنت في السودان الذي بلغ حوالي 35.64% (8.58 مليون أسرة)، مما يشير إلى تنامٍ ملحوظ في الاهتمام بالتكنولوجيا الرقمية كأداة استثمارية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية مثل التضخم وضعف الوصول إلى الخدمات المالية التقليدية. الحرب بطبيعتها تضعف الاقتصاد الكلي وتؤدي إلى تراجع الاستثمارات التقليدية (البنية التحتية، الصناعة، الزراعة). لكن يمكن أن تدفع نحو توسع بعض المجالات الرقمية لأسباب من أهمها تعطل القنوات التقليدية للخدمات (المصارف، المؤسسات الحكومية، الأسواق)، مما يخلق حاجة ملحة للبدائل الرقمية. و اعتماد الناس على التطبيقات الرقمية في التحويلات المالية، التجارة الإلكترونية، والتعليم عن بُعد، خاصة في ظل صعوبة التنقل وتزايد دور شركات التكنولوجيا الناشئة لتقديم حلول عملية في الدفع الإلكتروني، الخدمات اللوجستية، والاتصال. لهذا يمكن القول أن الحرب تسرع التحول نحو الرقمنة، ليس كرفاهية، بل كضرورة للبقاء. كما أن النزوح الداخلي والخارجي جعل ملايين السودانيين يعتمدون على التحويلات المالية الرقمية من الخارج عبر القنوات الإلكترونية. فضلا عن اللاجئون والنازحون يحتاجون لوسائل بديلة للحصول على الخدمات (الصحة، التعليم، الدعم الإنساني)، وهو ما يعزز أهمية الحلول الرقمية، وحتي المنظمات الدولية (الأمم المتحدة، المنظمات الإنسانية) أصبحت تعتمد على النقد الرقمي لإيصال المساعدات بأمان وشفافية أكبر. هذا كله يعني أن النزوح القسري بالفعل جعل الاستثمار الرقمي ضرورة حيوية وليس مجرد خيار. ومن المرجح أن يظل الطلب في السودان على الخدمات الرقمية قويًا حتى بعد الاستقرار، لأن الناس جربوا فعاليتها خلال الأزمة. وقد يتحول السودان إلى سوق واعدة للتكنولوجيا المالية، خصوصًا مع انخفاض تغطية البنوك التقليدية. إذا حدث استقرار نسبي، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع الرقمي سيزداد، نظرًا لأن السوق ما زال غير مشبع .وعلى المدى البعيد، من المتوقع أن يساهم الاستثمار الرقمي في إعادة بناء الاقتصاد عبر خلق وظائف، توسيع التجارة الإلكترونية، وتعزيز الشمول المالي. ولكن هذا الأمر يحتاج لارادة وطنية وتخطيط طويل المدي وتشريع جاذب للاستثمار المحلي والأجنبي.

