سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/6)
د. النور الكارس
تنويه:
الصُّور المُرفَقة توثِّق مشاهد حيَّة التقطها المصِّور نادر الطيب خلف الله أثناء تصوير الفيلم الوثائقي “سوق أم درمان، معمِّر لا يشيخ”، إلى جانب صور أرشيفيَّة توثِّق تاريخ هذا السوق العتيق.
(6)
مواقف النَّقل الحيوي:
حين نتناول الحديث عن وسائل النَّقل والتِّرحال في سوق أم درمان قديمًا، يطلُّ الحمار بوصفه سيِّد الموقف بلا منازع.
قبل أن تجوب السَّيارات شوارع المدينة بأشكالها المتنوِّعة وموديلاتها المتباينة، كانت الحمير تمثِّلُ الوسيلة الأبرز لنقل البضائع والركَّاب. وكان لأصحاب السوق آنذاك مواقف خاصَّة لتلك الدواب، مثلما كان لروَّاد السُّوق من المشترين مواقعهم الثابتة. بل إنَّ الحمير حظيت بخدمات متكاملة داخل السوق؛ فهناك حرفيًّون مهرة تفنَّنوا في صناعة السُّروج وملحقاتها.
صالونات الحلاقة للحمير:
لم يكن اهتمام السوق بالحمير مقتصرًا على توفير السروج وأدوات النقل فحسب، بل امتدَّ ليشمل رفاهيتها أيضًا – إن جاز القول – عبر ما يُعرف بـ “حلاقة الحمير”.
في قلب السوق، وتحديدًا قرب مواقف الدواب، تنتشر مساحات صغيرة تُشبه الصالونات التقليديَّة، يجلس فيها الحلَّاقون المهرة متربعين على حصائر من السعف أو جلود الحيوانات، وأمامهم أدواتهم البسيطة التي تعكس الطابع الشعبي والاقتصادي للبيئة.
من أبرز أدوات الحلاقة:
مقصّ حديدي تقليدي كبير، سكين تستخدم لتحديد مواضع معيَّنة أو إزالة الشعر الزائد في مواضع دقيقة، فرشاة يدوية أو قطعة قماش مبللة لتنظيف جسم الحمار من الشعر المقصوص او الغبار، حبل أو رباط لتثبيت الحمار أثناء الحلاقة، ووعاء ماء يُستخدم لترطيب جسم الحمار أو لتنظيف الأدوات.
تجري الحلاقة عادة في الهواء الطلق، وغالبًا ما تكون سريعة، حيث ينفِّذها الحلَّاق مباشرة أمام الزبائن، وسط زحام السوق وحركته اليوميَّة، في مشهد يختلط فيه العرق بالغبار، والضحكة بصرير المقصات… وأحيانًا يعكِّر صفو هذا المشهد نهيق حمار متمرِّد على الحلَّاق، كأنَّما يرفض التخلِّي عن غزارة شعره، تباهيًا أو اعتدادًا بمظهره، أو لعلَّه – على طريقته – يحتجُّ على “النيو لوك”!
صدر السُّوق الرحب:
لم يكن سوق أم درمان – كحال أهلها – يضيق يومًا بأحد، وإن كان من ذوات الأربع؛ فقد ظلَّ صدره واسعًا، يتَّسع للجميع بمختلف فئاتهم ووسائل تنقُّلهم، من حمير خبت نجومها مع الزمن، إلى سيارات ظلَّت تزداد توهُّجَّا بموديلاتها المختلفة وطُرُزها المتطوِّرة عامًا بعد عام.
وإن عدنا إلى الباعة، بوصفهم الدينمو المحرِّك لهذا المكان، وجدنا أنَّ السوق يمنحهم من فضائه الرحب ما يليق بجهودهم المقدَّرة؛ فمن لم يجد مكانًا في المحالِّ الفخمة ذات الأسقف المظلَّلة والتَّكييف البارد، اتَّخذ له موضعًا عند أروقتها (الفرندات) ذات الهواء الطَّبيعي الفاتر، ومن لم يجد له متَّسعًا تحت الظلِّ الساكن لهذه الأخيرة، لجأ إلى أوسع مظلَّة على الإطلاق: قبَّة السماء، وما أعظمها من قبَّة.
وهناك تحت وهج الشمس اللَّاهب، ترتفع أصوات الباعة في أناشيد مرتجلة، يغزلون من حروفها أملًّا في اجتذاب المشترين. يغنّون فرادى وجماعات، تصاحبهم طبولهم بالدويِّ أو أكفَّهم بالتصفيق، في مشهد صاخب يشيع الفرح في النفوس رغم سيوف الشمس المسلَّطة على الرقاب. وحين ينهكهم التعب بعد ساعات من النداء والغناء، يخلدون إلى الراحة، لتتولَّى أجهزة التسجيل مهمَّة الإعلان، بحدَّة حناجرها المعدنيَّة التي تمزِّق هدوء المكان، فتدفع الكثيرين إلى الفرار حفاظًا على سلامة السمع، واجتنابًا لتلوُّث الذهن.
سوق القصيريَّة وسوق القماش:
غادرتُ سريعًا فضاء من يلتحفون قبَّة السَّماء، فرارًا من لهيب الشَّمس، وحفاظًا على سلامة الأذن، لألج سوق القصيريَّة، حيث الظلال الظليلة الوارفة، والهواء الطبيعي العليل، وحيث تنبض العلاقات الاجتماعيَّة بدفئها المعهود. هنا يسود هدوء نسبيٌّ قوامه الود، لم يفسده حفيف المقصَّات، ولم تتلفه همسات المِخْيَطَة.
في هذا السُّوق، القابع بشارع الشَّوام، يبدع التَّرزيَّة في تصميم وخياطة الأزياء الرِّجاليَّة من جلابيب، و “عراريق” وعباءات، إلى جانب الأعلام التي تزيِّن مواكب الطُّرق الصُّوفية، وغيرها من المنسوجات. العلاقة بين التَّرزية وتجَّار الأقمشة هنا وثيقة؛ كوجهي عملة واحدة. فحركة المقصَّات وهدير الماكينات تستمدُ روحها من الأقمشة القادمة من متاجرهم، فيما يستثمر التجَّار عائداتهم في جلب المزيد من الخامات الفاخرة.
لكن هذا السوق العريق– مثله مثل سوق الأناتيك الذي تحدَّثنا عنه فيما سبق – لم يسلم من تحدِّياتٍ تهدِّد وجوده؛ إذ تراجع الإقبال على منتجاته مع انفتاح السوق على طوفان الملابس الجاهزة، سواء تلك المصنَّعة محلِّيًّا أو المستوردة من الخارج. مشهد المنافسة اليوم يمتدُّ من بائعٍ متجوِّلٍ يحمل منصَّته البسيطة، ويعلن بالغناء عن بضاعته تحت قبَّة السماء، إلى أفخم “بوتيك” تزيِّن جدرانه ألواح البولسترين الزاهية.
وبين هذا وذاك، يحنُّ الترزيَّة إلى زمنٍ ذهبيٍّ مضى، كانت فيه الأفضليَّة المطلقة للمقصَّات وهمهمة الماكينات، قبل أن تقتحم عالمهم المثالي تلك الملابس المعلَّبة القادمة من وراء البحار.
يتبع…
مع تحياتي،
د. النور الكارس


