زيارة البرهان إلى الدوحة: السودان بين البحث عن الاستقرار ورهانات المستقبل
– السودان، رغم جراحاته العميقة، ما يزال جزءاً فاعلاً من المنظومة العربية والإسلامية
– حرص البرهان على لقاءالجاليه بالدوحة و الاستماع لمداخلاتهم برحابة صدر واضعا النقاط فوق الحروف للعديد من التساؤلات
– زيارة البرهان إلى الدوحة رسالة بأن السودان ما يزال يبحث عن مخرج عبر الشراكة مع أشقائه ودعم المجتمع الدولي
– يجب الاهتمام بصوره اكبر واولويه اولي لتطوير وتحسين إنتاجية القطاعات الاقتصاديه التي نملك فيها مزايا نسبيه
– المؤسسات الدوليه تقدر كلفة اعادة الاعمار بين 700مليار وتريليون دولار
– “اللجنة الاقتصادي” ساهمت
في تحويل العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى علاقات قائمة على المصالح الاقتصادية المشتركة
– انهاء الحرب، يحتاج إلى توافقات داخلية و خارجية متوازنة. و ثلاثة مسارات أساسيه
– زيارة البرهان إلى الدوحة لم تكن مجرد بروتوكول سياسي، بل رسالة بأن السودان ما يزال يبحث عن مخرج عبر الشراكة مع أشقائه ودعم المجتمع الدول
– الطريق إلى السلام يبدأ أولاً بوقف صوت المدافع، وبناء جسور الثقة نحو دولة مدنية مستقرة.
تحليل يكتبه حسن ابوعرفات من الدوحة
تمثل زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، إلى الدوحة ومشاركته في القمة العربية الإسلامية الأخيرة محطة بارزة في مسار الأزمة السودانية الممتدة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فالسودان، رغم جراحاته العميقة، يسعى عبر هذه المشاركة إلى تأكيد حضوره الإقليمي، وإظهار أنه ما يزال جزءاً فاعلاً من المنظومة العربية والإسلامية، ويبحث عن الدعم لعبور أزمته.
لقاء الجالية السودانية: رسائل متعددة
لم تقتصر الزيارة على المشاركة الرسمية، بل شملت لقاءً مع الجالية السودانية في قطر، التي تُعد من أكبر الجاليات العربية هناك. استمع البرهان لمداخلاتهم وأسئلتهم حول الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في السودان، مشيداً في الوقت نفسه بدور قطر التاريخي في دعم بلاده ، سواء عبر استثمارات تُقدَّر بنحو 4 مليارات دولار، أو من خلال المساعدات الإنسانية واتفاقية سلام دارفور عام 2011. هذه الإشادة عكست إدراك القيادة السودانية لأهمية الدور القطري في الوساطات وإعادة الإعمار.
اداءالقوي السياسة
انتقد البرهان القوى السياسية السودانية واعتبر أن معظمها يفتقر إلى الحس الوطني الحقيقي، إذ تهيمن عليها المصالح الحزبية والفئوية الضيقة، ويتركز نشاطها على الوصول إلى السلطة بدلاً من العمل على خدمة الشعب وتعزيز استقرار الدولة. ويعكس هذا النقد رؤية البرهان بأن الصراعات السياسية الداخلية في السودان غالبًا ما تكون محكومة بالمكاسب الشخصية والسياسية على حساب المصلحة العامة
الاقتصاد أولوية لا تحتمل التأجيل
أن المعركة الحقيقية المقبلة هي معركة الاقتصاد. فالزراعة، الإنتاج الحيواني، التعدين والطاقة قطاعات قادرة على دفع عجلة النمو إذا ما توفرت بيئة استثمارية جاذبة. وأشارالبرهان إلى أهمية تحديث قوانين الاستثمار ومن الضروري ايضا إطلاق نظام “النافذة الواحدة” لتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، مع ضبط التحويلات المالية بالعملة الصعبة للشركات الأجنبية، بما يضمن استدامة استثماراتها في السوق السوداني.
الدبلوماسية الاقتصادي
اشير هنا التذكير بتجربة “اللجنة الاقتصادية” التي تأسست في التسعينات بالدوحة، والتي ساهمت في تحويل العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى شراكات اقتصادية. فقد لعبت اللجنة دوراً في فتح قنوات للتواصل بين رجال الأعمال، وتقديم استشارات اقتصادية وقانونية، والمشاركة في الفعاليات الدولية. ويبدو أن استدعاء هذه التجربة اليوم ليس مجرد تذكير بالماضي، بل دعوة لتفعيل أدوات “الدبلوماسية الاقتصادية” في ظل الأزمة الراهنة.
وقف الحرب: مسارات متوازية
غير أن جوهر الأزمة يظل ميدان القتال داخل السودان. فوقف الحرب لن يتحقق بقرار أحادي، بل يحتاج إلى مسارات متوازية:
• أمني-عسكري: وقف إطلاق نار حقيقي بضمانات إقليمية ودولية.
• سياسي: إشراك القوى المدنية والحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات السلام.
• إنساني: معالجة أوضاع النازحين واللاجئين، الذين تجاوز عددهم 8 ملايين بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
دور عربي مطلوب
الدور العربي يبقى أساسياً، خاصة من دول مثل قطر، السعودية، مصر والإمارات. توحيد الرؤى وتجنب تضارب المصالح يمكن أن يشكلا نقطة تحول حقيقية. فالقمة العربية الإسلامية الأخيرة عكست منصة مهمة لإظهار الدعم السياسي والإنساني، وإرسال رسالة واضحة بضرورة تغليب المصلحة الوطنية السودانية.
الحكومة المدنية وإعادة الإعمار
الحديث عن حكومة مدنية في السودان يظل مطلباً شعبياً، لكنه مرهون بوقف الحرب أولاً. التجارب السابقة أظهرت هشاشة أي حكومة من دون توافق أمني وسياسي. لذلك، فإن صياغة عقد انتقالي يضمن شراكة مرحلية بين المدنيين والعسكريين مع جدول زمني للانتخابات قد يكون الخيار الأكثر واقعية.
أما إعادة الإعمار، فتحتاج إلى رؤية مزدوجة: قصيرة الأمد لإعادة الخدمات الأساسية وعودة النازحين، وطويلة الأمد لإعادة بناء البنية التحتية وتشجيع الاستثمار. وقدّرت مؤسسات دولية التكلفة بما يتراوح بين 700 مليار وتريليون دولار، ما يتطلب شراكات دولية واسعة وحكومة مستقرة لإدارة الدعم.
في الختام
زيارة البرهان إلى الدوحة لم تكن مجرد جولة بروتوكولية، بل محاولة لإعادة السودان إلى الخارطة العربية والإسلامية عبر البوابة القطرية. لكن الامتحان الحقيقي سيظل داخلياً، فوقف الحرب وتوحيد الصف الوطني هما المدخل الوحيد لبناء دولة مدنية مستقرة، قادرة على الاستفادة من أي دعم خارجي في معركة الإعمار والتنمية.



