العلم والانتماء الحزبي السياسي… صراع داخل الاقتصاد السوداني.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم.
“العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم.”
(الإمام علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه):
“حين يُحبس العلم في قاعات الجامعة، وتتيه المهنية في دهاليز المكاتب بين الرأي السياسي وغياب تطبيق المعرفة، يفقد الوطن بوصلته بين الفكرة والعمل، ويضيع الاقتصاد بين النظرية والواقع.”
حذر وزير المالية الأسبق والباحث الاقتصادي الدكتور إبراهيم البدوي من أن استمرار الحرب في السودان لمدة خمسة أشهر قد يفجر خسائر مادية تصل إلى 150 مليار دولار، أي نحو خمسة أضعاف الناتج المحلي قبل النزاع. حتى مع توقف الحرب، سيستغرق السودان نحو 11 عامًا لاستعادة اقتصاده إلى مستويات 2011، فيما يحتاج نحو 50 مليون سوداني للعمل خمس سنوات لتغطية هذه الفجوة الضخمة. في هذا المقال، لست بصدد مناقشة النتائج المعلنة للخسائر الاقتصادية بعد الحرب أو وضع بديل علمي منهجي لها، بل التركيز على المنهجية المستخدمة في التقييم. إذ يُعد تقييم الخسائر الاقتصادية بعد النزاعات عملية معقّدة تعتمد على توافر البيانات الدقيقة بعد انتهاء الحرب وليس قبلها، كما تقوم على منهجيات علمية واضحة في علم الاقتصاد والتخطيط وإعادة الإعمار.
ومن منظوري، معالجة الفجوة بين التفكير العلمي والتطبيق العملي في السودان لا يمكن أن تتم عبر الخطاب النظري وحده، بل تتطلّب بيانات موثوقة ومكتمله وتحليلًا كمّيًا دقيقًا يُستحسن تقديمه في إطار دراسة علمية محكّمة تستمع إلى جميع الآراء العلمية من الأقران. في معظم الدول الخارجة من النزاعات، يتم تقدير الأضرار وإعادة البناء من خلال تقييم مشترك للأضرار والاحتياجات بين الحكومات والمنظمات الدولية، بحيث يستند كل تقييم للخسائر في اقتصاد الحرب إلى أرقام رسمية ومصادر موثوقة لتجنّب المبالغة أو التسييس. من الناحية الزمنية، يمكن تعويض خسائر القطاع الخاص بعد توقف الحرب عبر استئناف الأنشطة الإنتاجية والتجارية واستعادة التحويلات المالية وإعادة ترتيب الأسواق، أما خسائر الحكومة، المتمثلة في العجز المالي وتراجع الإيرادات الضريبية وتضرر البنى التحتية، فتتطلب فترة زمنية مقترحة مرتبطة بتوفر تدفقات مالية خارجية مستقرة مثل القروض أو المنح أو الدعم المباشر للموازنة، إلى جانب إجراءات إصلاحية عاجلة لإدارة النقد والإنفاق العام. لذلك، يجب أن تُرفق أي تقديرات رقمية بوضوح مع الافتراضات الزمنية والمنهجية، مثل تحديد ما إذا كانت الخسائر مقدرة كقيمة كلية مفقودة أو كفقدان مرحلي في الإنتاج وما هو أفق التعافي المتوقع. يشمل التحليل العلمي السليم مؤشرات مثل معدلات انكماش أو نمو الناتج المحلي الإجمالي قبل وأثناء وبعد الصراع، وخسائر القطاع الخاص من حيث التشغيل والمبيعات وتعطل سلاسل الإمداد، وخسائر الأفراد في الدخول والوظائف وتحويلات المغتربين، وكذلك الخسائر الحكومية المرتبطة بالعجز المالي والإيرادات وتكاليف إعادة الإعمار والديون. ويعد تجاهل سرعة التعافي التاريخية نقصًا منهجيًا، إذ من الضروري الاستفادة من تجارب دول خرجت من حروب قصيرة أو متوسطة لتقدير مدى سرعة تعويض القطاع الخاص. كما ينبغي إدراج افتراضات السياسات المالية والنقدية المتوقعة، لأنها تؤثر مباشرة على مسار التعافي، ويجب أن تُبنى النتائج على افتراضات واضحة ومعلنة مثل نسبة استئناف الأنشطة التجارية في السنة الأولى والثانية وهكذا وحجم الموارد الخارجية المتوقعة خلال فترة زمنية محددة ونسبة تعويض خسائر القطاع الخاص خلال أفق زمني معلوم. إن هذه الشفافية في التحليل هي ما يمنح النتائج مصداقية، بخلاف طرح أرقام مطلقة وغير موثقة بمنهجية واضحة.
النقد الذي أورده البروفيسور أونور في مقاله انهيار القطاع المصرفي السوداني والتزييف المهني والتضليل الإعلامي وبالأخص حول معالجة بنك السودان المركزي لتوزيع خسائر الحرب على البنوك على مدى عشر سنوات هو، من منظور النظام المصرفي والمحاسبي، ممارسة معروفة ومقبولة. فعادةً ما يتم توزيع الخسائر على سنوات لاحقة في القوائم المالية بعد الحرب لأسباب محاسبية وضريبية وتنظيمية، مثل تخفيف أثر الخسائر على أرباح السنة الواحدة وتجنّب إظهار البنك أو الشركة بمظهر الإفلاس. وبحسب المعايير المحاسبية الدولية (IFRS)، يُسمح بتسوية الخسائر غير المحسوبة بالكامل عند وقوعها إذا كانت التقديرات غير مؤكدة. ومن الناحية التقنية والمحاسبية، يكون هذا الإجراء مقبولًا بشرط الإفصاح الكامل عن الأساس المستخدم لتوزيع الخسائر، بما في ذلك سبب التوزيع والمبلغ الإجمالي للخسائر الفعلية. مع ذلك، في التحليل الاقتصادي أو الدراسات الأكاديمية، قد يؤدي توزيع الخسائر على سنوات لاحقة إلى تقدير مضلل لتأثير الحرب على النظام المالي والاقتصاد الوطني، لأن الأرقام لا تعكس الصدمة الفعلية في سنة الحرب.
الأسباب الرئيسية لتوزيع الخسائر تشمل:
1. تخفيف أثر الخسائر على سنة واحدة لتجنب صدمة مالية مفاجئة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الخسائر ناتجة عن عوامل خارجية خارجة عن سيطرة المصارف وليس نتيجة فشل إداري داخلي.
2. تسجيل الخسائر جزئيًا في السنة الأولى والباقي لاحقًا بعد وضوح حجم الضرر الفعلي.
3. تسهيل إدارة الضرائب والأرباح عبر سنوات متعددة بما يضمن استقرار النتائج المالية للمؤسسات المالية.
رفض توزيع خسائر الحرب على سنوات يُعد رأيًا أكاديميًا شخصيًا، لكنه لا يستند إلى الممارسة المصرفية العملية. إذ يعكس الفرق بين الرؤية الأكاديمية والواقع العملي للمصارف، حيث أن توزيع الخسائر على سنوات هو إجراء مألوف ومعتمد في القطاع المالي لتخفيف الصدمات وضمان الاستقرار.
في الحقيقة، طرحت هذين المثالين لأوضح أن السودان يواجه منذ عقود أزمة عميقة في منهج التفكير العلمي، لا تظهر فقط في ضعف الإنتاج الأكاديمي لدى كثير من الباحثين (وليس جميعهم) أو في تراجع مؤسسات التعليم، بل تتجسد أساسًا في الانفصال الواضح بين المعرفة العلمية وصنع السياسات والقرارات الاقتصادية والمصرفية. يمكن قراءة هذه الأزمة من خلال حالتين تمثيليتين لعلماء الاقتصاد في السودان. الحالة الأولى حين يمثل وزير مالية سابق نموذجًا للعالم الذي خرج من قاعات الجامعة والبحث العلمي إلى مؤسسات الحكم وهو يحمل رؤية علمية ومنهجًا اقتصاديًا واضحًا يتفق أو يختلف فيه الناس. لكنه ما إن اصطدم بواقع الدولة السودانية حتى وجد نفسه أمام شبكة معقدة من المصالح السياسية، وضغوط مؤسساتية، وتوقعات اجتماعية آنية وغياب الفهم الواقعي للاقتصاد بعيدا عن الجوانب النظرية الجامده. تراجعت المبادئ العلمية وتحول دور الاقتصادي من باحث عن الحقيقة إلى مُبرّر لقرارات جاهزة. وفي كثير من الحالات، أُفرغ التفكير العلمي من محتواه، فصارت الخطط الاقتصادية شعارات لا تقوم على بيانات دقيقة أو دراسات تجريبية. تجربة الوزير العالم تُظهر أن المشكلة ليست في ضعف الكفاءة العلمية، بل في عدم الممارسة العملية الطويلة وصعوبة القرار العام. في المقابل، تمثل الحالة الثانية الاقتصادي الأكاديمي الذي أمضى حياته في البحث والتدريس دون أن يقترب من دوائر القرار الا عبر الرأي العلمي. وزير مالية سابق كان عالمًا ثم صار صاحب قرار، وأكاديميًا بحتًا ظل داخل أسوار الجامعة، يراقب من بعيد ولا يشارك في صنع السياسات الا بالراي العلمي. هذا العالم يمتلك أدوات التحليل العلمي، ويطرح رؤى نقدية ثرية، لكنه ظل أسير الجامعة والندوات المتخصصة. مشكلته ليست في العلم، بل في العزلة البنيوية التي تفصل الأكاديميا عن الدولة والمجتمع ومؤسساتها و يتحول العلم إلى ممارسة نظرية مغلقة، تفقد قدرتها على التغيير. في الارض.
بالإضافة إلى القصور في منهجية التحليل المالي والاقتصادي المتعارف عليها، يلاحظ أن المقالين اتسمَا أيضًا بلغة نقدية حادة. ويزداد وضوح هذا القصور بالنظر إلى مكانة الكاتب، الأستاذ الجامعي والاقتصادي مثل الدكتور ابراهيم البدوي والبروفيسور أونور. العلم الذي لا يُطبَّق يظل حبرًا على ورق، والسياسة التي لا تستنير بالعلم تظل عملاً مرتجلاً. الحالتان في هذا المقال تكشفان وجهين لأزمة واحدة، إذ يفقد العالم استقلاله العلمي حين ينخرط في دهاليز الوزارة، فيصبح حديثه أقرب إلى لغة الحزبية منه إلى لغة العلم، بينما يفقد الأكاديمي أثره العملي حين يظل في الجامعة، فيستعرض الممارسات بأسلوب نظري علمي بعيد عن الواقع التطبيقي. تكشف الحالتان في هذا المقال عن أزمة واحدة: العالم يفقد علميته حين ينغمس في السياسة، والأكاديمي يفقد أثره حين ينعزل في الجامعة، وبينهما تضيع فرصة بناء اقتصاد وطني قائم على المعرفة والتطبيق. يحتاج السودان إلى جسر متين بين الجامعة والوزارة، بين النظرية والتطبيق بين التحليل العلمي الرصين والرؤية الخطابية السياسية. فبدون هذا الجسر، ستظل أزمة التفكير العلمي القائم على الفهم الصحيح لمجريات الاقتصاد وتطبيقاته في السودان قائمة.

