الصين: قوة اقتصادية متزايدة في ظل تحديات عالمية
أسامة مختار
شهد الاقتصاد العالمي حالة من عدم اليقين في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد النزعات الحمائية، واستمرار تباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى. وفي هذا السياق المعقد، يبرز الاقتصاد الصيني كأحد أكثر الاقتصادات استقرارًا وقدرة على الحفاظ على زخم النمو، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين 140.19 تريليون يوان، أي ما يعادل نحو 20.12 تريليون دولار أمريكي، محققا نموا سنويا بنسبة 5% وفقًا للأسعار الحقيقية. ويعكس هذا الأداء الاقتصادي المتماسك قدرة الصين على التكيف مع التحولات العالمية ومواجهة الضغوط الخارجية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يعاني من تداعيات الركود وضعف الطلب وعدم استقرار سلاسل الإمداد.
ولا يقتصر هذا النمو على المؤشرات المحلية فحسب، بل يمتد ليشمل دور الصين المتزايد في دعم الاقتصاد العالمي. فقد ساهم التقرير الاقتصادي الصيني لعام 2025 في تعزيز الثقة بإمكانية تعافي الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل ما أظهره من استمرارية في الإصلاحات الهيكلية والتركيز على التنمية عالية الجودة. ويعتقد عدد كبير من المشاركين في استطلاع عالمي أن النموذج الصيني القائم على الابتكار، والتوازن بين النمو والاستدامة، والانفتاح المنظم على العالم، أصبح عنصرًا مؤثرًا في توجيه مسار الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
وعلى صعيد التجارة الخارجية، واصلت الصين تسجيل أداء لافت، إذ تجاوزت قيمة وارداتها وصادراتها من السلع 45 تريليون يوان خلال العام الماضي، محققة نموا للعام التاسع على التوالي. ويأتي ذلك رغم تصاعد الحمائية التجارية وتراجع العولمة الاقتصادية في بعض المناطق. ويُظهِر هذا الإنجاز قوة البنية التجارية الصينية ومرونتها، فضلًا عن قدرتها على الحفاظ على روابط اقتصادية واسعة مع مختلف الشركاء الدوليين. ويرى كثيرون أن اتساع السوق الصينية وتسارع وتيرة تحديثها يوفران فرصًا تنموية مهمة للدول الأخرى، سواء من حيث التجارة أو الاستثمار أو التعاون الصناعي والتكنولوجي.
وفي هذا الإطار، تحظى الخطة الخمسية الخامسة عشرة باهتمام واسع(الخطط الخمسية الصينية هي خارطة طريق ديناميكية تُحوّل الرؤى الاستراتيجية كالتنمية عالية الجودة إلى سياسات ملموسة، مع تكيف مستمر مع المتغيرات الداخلية والخارجية، وهي تعكس نهج الصين الفريد في الجمع بين التخطيط المركزي ومرونة السوق) إذ يُنظر إليها على أنَّها إطار استراتيجي يعزز الانفتاح على وتدعم بيئة أعمال أكثر جاذبية، وتشجع على تعميق التعاون الدولي. ويؤكد هذا التوجه استمرار الصين في أداء دور داعم للعولمة الاقتصادية، ومدافع عن التعددية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى الانغلاق وإعادة بناء الحواجز التجارية في بعض الدول .
في المقابل، يرى كثير من المشاركين في الاستطلاع أن الاقتصاد العالمي يواجه تحديات جسيمة، على رأسها المواجهات الجيواقتصادية والنزاعات المسلحة بين الدول، والتي تُعد من أكبر مصادر عدم اليقين حاليًا. وتؤثر هذه العوامل بشكل مباشر في تدفقات التجارة والاستثمار، وتضعف ثقة الأسواق، وتعرقل جهود التعافي الاقتصادي. كما يعتقد عدد كبير من المشاركين أن السياسات الأحادية والممارسات الحمائية لا تسهم في معالجة المشكلات الهيكلية للاقتصاد العالمي، بل تؤدي إلى تعميقها وتقويض أسس النمو المستدام.
وفي هذا السياق، وُجهت انتقادات حادة إلى استخدام التعريفات الجمركية كأداة ضغط اقتصادي، حيث يرى كثيرون أن الإفراط في اللجوء إلى هذه السياسات يحولها إلى مصدر رئيسي للمخاطر التي تعيق آفاق النمو الاقتصادي، سواء على المستوى الوطني أو العالمي. كما يُنظر إلى ممارسات (التنمر الأحادي) تحت شعارات قومية ضيقة على أنها عامل سلبي يضر بمسار العولمة الاقتصادية ويقوض الثقة في النظام التجاري الدولي.
ومن جهة أخرى، تتزايد أهمية دول الجنوب العالمي في المشهد الاقتصادي الدولي، إذ يُنظَر إليها على أنها قوة صاعدة تؤدي دورا متناميا في حماية وتعزيز النظام التجاري متعدد الأطراف. ويسهم هذا الدور في الدفع نحو عولمة اقتصادية أكثر شمولا وإنصافا، تأخذ في الاعتبار مصالح الدول النامية وتحدياتها التنموية. كما يُنظر إلى التعاون الإقليمي والتكامل الاقتصادي بين هذه الدول كأدوات فعالة لتعزيز الاستقرار ومواجهة الضغوط الخارجية.
وفي مواجهة هذه التحديات المتشابكة، يبرز خيار الحوار والتعاون كمسار أساسي لحل الخلافات الدولية. ويعتقد عدد كبير من المشاركين أن تعزيز التواصل وبناء الثقة بين الدول يمثلان السبيل الأمثل للتعامل مع القضايا العالمية المعقدة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية. كما تتزايد الدعوات إلى تعزيز المرونة الاقتصادية من خلال دعم التعددية التجارية، وتوسيع آفاق التعاون الإقليمي، وتنويع سلاسل التوريد، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار للاقتصاد العالمي.
في المحصلة، يعكس الأداء الاقتصادي الصيني صورة لاقتصاد قادر على الحفاظ على الاستقرار والنمو في بيئة دولية مضطربة. وفي الوقت الذي تتعاظم فيه التحديات العالمية، تتجه الأنظار إلى النماذج الاقتصادية التي توازن بين الانفتاح والحماية، وبين النمو والاستدامة. ويبدو أن التجربة الصينية، بما تحمله من إصلاحات طويلة الأمد ورؤية استراتيجية، تواصل أداء دور مهم في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة من الاقتصاد العالمي.
أسامة مختار
خبير بمجموعة الصين للإعلام


