مع رئيس الوزراء كامل إدريس في إسطنبول ………
هَمّ الإعلام ومعضلات الوطن: تفاصيل لقاء خاص …….. في أكثر الأوقات جدلا وتباين…
بقلم : جمال الدين علي
في أكثر الأوقات جدلا وتباين في تاريخ السودان الحديث، حيث تنام البلاد مابين الأمل والشكوى وتستيقظ على مشهد الدمار وتحدى الاعمار وتفكك المؤسسات، جاء من اقصى بلاد الغرب رجل يسعى ليتحمل العبء الأثقل في توقيت لا يحسد عليه. التقيته في إسطنبول، وبدعوة كريمة من قنصل السودان فيها السفير اسامه محجوب جمعني لقاء ممتد برئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس؛وهو في رحلة سفر طويل مرورا بتركيا الرجل الذي قذفت به المسؤولية الوطنية إلى واجهة الاحداث
لم أكن أعرفه عن قرب من قبل؛ التقيته للوهلة الأولى بعد تسلمه رئاسة الوزراء خلال زيارتي الأخيرة للسودان ضمن وفد إعلامي.ولكن سمعته سابقة له ونشاطه السياسيى الابرز هو جمعة للراحلين الدكتور الشيخ حسن الترابى والسيد الصادق المهدى بمنزله فى جنيف ذلك اللقاء التاريخي ، والذي عُرف في الأدبيات السياسية السودانية بـ لقاء جنيف في ابريل
من عام 1999
كان هذا اللقاء حدثاً استثنائياً؛ نظراً لأنه كسر جموداً طويلاً من القطيعة السياسية المباشرة بين النظام والمعارضة في المنفى آنذاك، ونجح د. كامل إدريس (الذي كان يشغل وقتها منصب مدير عام المنظمة العالمية للملكية الفكرية “الويبو”) في تهيئة الأجواء لجمعهما تحت سقف واحد بصفتيهما القيادية وكان اول مبادرات المصالحات الوطنية
ومن المفارقات الموثقة في تاريخ اللقاءات بين الرجلين، أن هذا المشهد تكرر بعد سنوات طويلة، وتحديداً في يناير من عام 2013، حيث تجدد اللقاء بين الصادق المهدي وحسن الترابي في الخرطوم في منزل د. كامل إدريس أيضاً، ليعيد إلى الأذهان “بذرة المصالحة الأولى” التي غُرست في جنيف عام هذا الدور يمثل إرثه في تقريب وجهات النظر، فهل يعيد التاريخ نفسه فى مبادرة سياسية تكسر جمود المشهد الان .
ثم تردد علينا كثيرا في التلفزيون القومى ومشاهدات عن بعد ولكننا في السودان، نملك ميزة استثنائية؛ فعندما نلتقي، لا نحتاج إلى وقت طويل ليذوب الجليد بيننا. سرعان ما تعلو الحميمية وتسقط الألقاب والمناصب الرسمية، ليبقى الاحترام المتبادل وحده هو الذي يقود النقاش بشفافية مطلقة ومسؤولية عالية. هذا الدفء السوداني هو ما جعل الحوار يتجاوز بروتوكولات المكاتب المغلقة إلى آفاق إنسانية أرحب.
هكذا جلسنا نتقاسم رشفات من القهوة التركية، وكان الحديث في شأن الوطن، وخاصة الإعلام، يخرج أحياناً مراً كمرارة تلك القهوة السوداء. تنقلنا في الحوار مابين فوضى الواقع السوداني الراهن، والآمال المعقودة على الغد، في تقاطعات حادة تعكس تعقيد الأزمة. . حيث يرى إدريس أن الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو شريك بنيوي في إعادة الإعمار والتوعية، محذراً من خطورة خطاب الكراهية والشائعات التي تزيد من تشظي الوجدان الوطني في وقت نحتاج فيه إلى كلمة تلم الشمل.
بين الفينة والأخرى، كانت تتخلل الحديث بعض السكتات الصامتة؛ سكتات لم تكن غياباً، بل كانت أشبه بتفكير عميق يبحر بعيداً في تفاصيل المأساة والحلول المستعصية. كان يقطع هذا الصمت رشفة ماء، أو سحبة منديل يمسح بها عينيه اللتين بان عليهما بوضوح أثر السهر والتعب، وكأنه يمسح عنهما غبار القلق… على وطن يخشى أن يتشظى. برغم ان الطاولة التى كانت أمامنا مليئة بالحلوى وبعض قطع الفاكهة لم تمد اليها ادينا واكتفينا بتبادل الكلمات ورشفات القهوة
هى الصدفة وحدها ان نلتقى وقد اكمل كامل ادريس وحكومة الأمل التي شكلها عامها الأول. عامٌ مضى والشارع السوداني يعيش حالة حادة من الانقسام والجدل حول مدى نجاح هذه الحكومة في تحقيق اختراق ملموس وسط ركام الحرب وفوضى المؤسسات. لكن الإنصاف يقتضي القول إن الرجل وحكومته يمشون على حقل من الأشواك؛ فالتحديات ليست سياسية فحسب، بل هي أزمة وجودية لوطن تمزقت شرايينه الاقتصادية والاجتماعية. وماتزال تحدياته الأمنية تشغل الناس وسط هذا الانقسام، يظل إدريس محتفظاً بهدوء الصياد وصبر الأكاديمي، محاولاً العبور بالبلاد إلى ضفة الأمان برغم وعورة الطريق وكثرة المتربصين. رايت في الرجل عزيمة وفي نبرة صوته الهادى تحدى
وهو أول ما يلفت انتباهك في شخصيته، يحمل قسمات هادئة لا تشي باضطراب، بل تعكس ثقة رجل يدرك تماماً أين يضع قدميه. يتميز الدكتور كامل إدريس بخلفية أكاديمية واسعة الاطلاع، تظهر بوضوح في طريقة تفكيكه للأزمة؛ فهو لا يتحدث بلغة الشعارات المستهلكة، بل يحلل الواقع بعقلية المخطط ، ويرى في تفكك مؤسسات الدولة معضلة هيكلية تتطلب حلولاً جذرية وليست مسكنات مؤقتة.
وهنا تبرز القيمة المضافة لشخصيته؛ فخبرته الطويلة في أروقة المنظمات الدولية (كقيادته السابقة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية “الويبو” وغيرها من المناصب الأممية) تمنحه فهماً عميقاً لكيفية إدارة الأزمات الكبرى. إنه يحاول تسخير هذه الدبلوماسية الأممية لترويض الفوضى السودانية، وتدوير زوايا الحركة السياسية والاجتماعية الى قبلة الصراط وإعادة ربط البلاد بالمنظومة الدولية التي تضررت جراء الحرب، مدركاً أن إنقاذ السودان يتطلب حشداً دولياً وإقليمياً حكيماً يتوازى مع الجهود الداخلية.
في زيارتة ،تركيا البلاد التي تلتقي فيها القارات، يواصل رئيس الوزراء مد الجسور وصياغة الرؤى لمستقبل السودان ما بعد الحرب.واعادة الاعماء وبناء الثقة في النهوض من جديد اللقاء معه، برغم مرارة واقعه وتشابك ملفاته، يبعث في النفس أملاً؛ أملاً في أن السودان يحتاج الى صبر وقبل الصبر فكرة وإرادة مسلحة بالعلم والخبرة ، هي وحدها القادرة على إعادة إعمار ما دمرته البنادق.
“يغادر المرء مجلسه وهو مؤمن بأن السودان، رغم جراحه النازفة وانقسام شارعه، ما زال يملك القدرة على الإبحار. ولكن من يجلس على مقود السفينة وسط هذه الأمواج العاتية، يحتاج إلى صبرٍ أعمق مما نظن ونعتقد. نصبر نحن ويصبر هو، وهوّنا أن لا يضل الطريق أو ينكسر المجداف، إذا ما حرصنا جميعاً على إنجاح هذه الفرصة الوطنية التاريخية… التي قد لا تتكرر.”

