سلسلة: ما بعد الحرب
الامن الغذائي في مرحلة التعافي
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
لا يمكن الحديث عن التعافي بعد الحرب دون التطرق الى الامن الغذائي باعتباره احد اهم ركائز الاستقرار الوطني. فالغذاء ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل يمثل عنصرا اساسيا في الامن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. وعندما تتعطل الزراعة وسلاسل الامداد بسبب النزاعات، يصبح تأمين الغذاء للمواطنين تحديا لا يقل خطورة عن التحديات الامنية والسياسية.
تترك الحروب آثارا مباشرة على القطاع الزراعي من خلال تدمير البنية التحتية، وتعطل نظم الري، ونزوح المزارعين، وتراجع الانتاج، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية. كما تتأثر عمليات النقل والتخزين والتسويق، مما يؤدي الى نقص المعروض الغذائي وارتفاع الاسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وفي كثير من الاحيان تتحول مناطق كانت منتجة للغذاء الى مناطق تعتمد على المساعدات الانسانية.
ويمتلك السودان من المقومات ما يؤهله ليكون من اكبر الدول المنتجة للغذاء في المنطقة والعالم. فالموارد الطبيعية الهائلة من اراض زراعية ومياه وثروة حيوانية وتنوع مناخي تمنحه فرصا استثنائية لتحقيق الاكتفاء الذاتي والمساهمة في الامن الغذائي الاقليمي. غير ان هذه الامكانات تحتاج الى سياسات فعالة واستثمارات مدروسة ومؤسسات قادرة على تحويل الموارد الى انتاج حقيقي ومستدام.
وفي مرحلة ما بعد الحرب تصبح اعادة تأهيل القطاع الزراعي اولوية وطنية عاجلة. فعودة المزارعين الى اراضيهم وتوفير المدخلات الزراعية واعادة تشغيل مشاريع الري تمثل خطوات اساسية لاستعادة الانتاج. كما ان دعم صغار المنتجين يعد من اهم الوسائل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المناطق الريفية التي تشكل العمود الفقري للقطاع الزراعي.
ولا يقتصر مفهوم الامن الغذائي على زيادة الانتاج فقط، بل يشمل ضمان وصول الغذاء الى جميع المواطنين بصورة مستقرة وآمنة وباسعار مناسبة. ولذلك فإن تحسين شبكات النقل والتخزين وتقليل الفاقد الزراعي يمثل جزءا لا يتجزأ من منظومة الامن الغذائي. فالكثير من المحاصيل تفقد قيمتها بسبب ضعف البنية التحتية وسوء التخزين وارتفاع تكاليف النقل.
كما تبرز اهمية التصنيع الزراعي باعتباره حلقة مكملة للانتاج. فالاقتصادات الحديثة لا تعتمد على تصدير المواد الخام فقط، بل تعمل على تحويلها الى منتجات ذات قيمة مضافة. ومن خلال الصناعات الغذائية يمكن خلق فرص عمل جديدة وزيادة الصادرات وتحسين دخول المنتجين وتعزيز استقرار الاسواق.
ويظل الاستثمار احد العوامل الحاسمة في تطوير القطاع الزراعي. فمرحلة التعافي تتطلب ضخ رؤوس اموال كبيرة في مشروعات الري والبذور المحسنة والتقنيات الحديثة والبنية التحتية الزراعية. لكن نجاح الاستثمار يتطلب بيئة مستقرة وسياسات واضحة وتشريعات جاذبة تحمي المستثمرين وتضمن تحقيق المصالح الوطنية.
وفي هذا الاطار تبرز الشراكات الذكية كخيار استراتيجي لتسريع التنمية الزراعية. فالشراكة الناجحة لا تقوم على التمويل فقط، بل تشمل نقل التكنولوجيا والخبرات وبناء القدرات الوطنية وتطوير سلاسل القيمة الزراعية. كما تتيح هذه الشراكات الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة مع الحفاظ على سيادة القرار الوطني ومصالح المجتمعات المحلية.
كما ان تحقيق الامن الغذائي لا يعتمد فقط على الاراضي والمياه والتمويل، بل يعتمد بصورة اساسية على الكوادر البشرية المؤهلة. ويزخر السودان بآلاف المهندسين الزراعيين الذين تخرجوا في كليات الزراعة المنتشرة بمختلف الجامعات خلال العقود الماضية. وتمثل هذه الكفاءات ثروة وطنية حقيقية يجب الاستفادة منها في قيادة عملية النهوض الزراعي بعد الحرب.
فالكثير من هؤلاء المهندسين يمتلكون معارف علمية وخبرات عملية في مجالات الانتاج النباتي والحيواني ووقاية النباتات والارشاد الزراعي والاقتصاد الزراعي وتقنيات الري والتصنيع الزراعي. ولذلك فإن اشراكهم في برامج اعادة الاعمار الزراعي يمكن ان يسهم بصورة مباشرة في رفع الانتاجية وتحسين كفاءة استخدام الموارد ونقل التقانات الحديثة الى المزارعين.
كما ينبغي ان تتبنى الدولة برامج لاستيعاب الخريجين الزراعيين داخل المشاريع القومية والمؤسسات الزراعية ومراكز البحوث والارشاد الزراعي. فنجاح التنمية الزراعية لا يتحقق بالمعدات والتمويل وحدهما، بل يحتاج الى عقول مؤهلة قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة. ومن المؤسف ان تبقى هذه الطاقات معطلة في وقت يحتاج فيه الوطن الى كل خبرة وكفاءة لتحقيق الامن الغذائي والتنمية الريفية المستدامة.
ومن القضايا التي تفرض نفسها بقوة في المرحلة القادمة توظيف التكنولوجيا والبحث العلمي في خدمة الزراعة. فالزراعة الحديثة تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والتقانات المتطورة في الري والانتاج. ولذلك فإن الاستثمار في البحث العلمي والتدريب الزراعي لم يعد ترفا، بل اصبح ضرورة لضمان استدامة الانتاج وتحقيق القدرة التنافسية.
معالجات مقترحة
من خلال تجاربي المهنية، ومشاركتي في العديد من الورش والمؤتمرات ولقاءات الخبراء المعنية بقضايا التنمية واعادة الاعمار، وجدت ان تعزيز الامن الغذائي بعد الحرب يتطلب التركيز على المعالجات التالية:
اعادة تأهيل المشاريع الزراعية القومية ومشروعات الري.
دعم عودة المزارعين الى مناطق الانتاج وتوفير المدخلات الزراعية.
تطوير البنية التحتية الزراعية من طرق ومخازن ومراكز تسويق.
التوسع في استخدام التقانات الزراعية الحديثة والبحث العلمي.
تعزيز التمويل الزراعي وتسهيل حصول المنتجين على التمويل.
تشجيع الاستثمار الوطني والاجنبي في القطاع الزراعي.
تبني الشراكات الذكية لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية.
دعم الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي لزيادة القيمة المضافة.
الاستفادة من الكفاءات الوطنية وخاصة المهندسين الزراعيين وخريجي كليات الزراعة في برامج التنمية والارشاد الزراعي واعادة تأهيل المشاريع الانتاجية.
تقليل الفاقد بعد الحصاد وتحسين نظم التخزين والنقل.
بناء مخزون استراتيجي من السلع الغذائية الاساسية لمواجهة الازمات والطوارئ.
ربط السياسات الزراعية بخطط التنمية الاقتصادية والريفية طويلة المدى.
ان تحقيق الامن الغذائي بعد الحرب لا يقتصر على توفير الغذاء للمواطنين، بل يمثل مدخلا اساسيا للاستقرار والتنمية وبناء الدولة. فالدولة التي تستطيع اطعام شعبها وتأمين احتياجاته الاساسية تمتلك قاعدة صلبة للسلام والنمو الاقتصادي. ومن هنا فإن الاستثمار في الزراعة والامن الغذائي هو استثمار في مستقبل الوطن واستقراره لعقود قادمة.

