هل يبدأ سقوط المضاربات؟ الحكومة السودانية تدخل معركة الوقود والدولار
«3 مليارات دولار على المحك.. هل ينجح دخول الحكومة سوق الوقود في إنقاذ الجنيه السوداني؟
الدوحة : حسن أبوعرفات مجلة حواس
قرار مجلس الوزراء بدخول الحكومة السودانية مباشرة في استيراد المشتقات البترولية ليس مجرد قرار فني، بل يمثل تحولاً مهماً في السياسة الاقتصادية، ويعكس إدراكاً متأخراً لخطورة ترك هذا القطاع الحيوي بالكامل في يد القطاع الخاص والمضاربات المرتبطة بسوق العملات الأجنبية.
فوقود السودان يستهلك مليارات الدولارات سنوياً، وتشير تقديرات السنوات الأخيرة إلى أن فاتورة استيراد المشتقات البترولية تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يجعل هذا القطاع أحد أكبر مصادر الطلب على النقد الأجنبي. وعندما يكون الاستيراد في يد عشرات الشركات الخاصة، فإن الطلب على الدولار يصبح مفتوحاً، مما يفاقم الضغوط على سعر الصرف ويرفع معدلات التضخم.
دخول الدولة كمستورد مباشر يمكن أن يحقق عدة أهداف:
▪️ تقليل المضاربات على الدولار عبر توحيد الطلب على العملات الأجنبية.
▪️ زيادة قدرة الدولة على مراقبة الأسعار ومنع الاحتكار.
▪️ توفير الوقود بصورة أكثر انتظاماً وتقليل الأزمات المتكررة.
▪️ تعزيز موارد الخزانة العامة إذا تم إدارة الملف بكفاءة وشفافية.
لكن النجاح ليس مضموناً، فالتجارب السابقة في السودان أثبتت أن الاحتكار الحكومي وحده لا يكفي. ففي الفترة بين 2018 و2020 كانت الحكومة تستورد الجزء الأكبر من الوقود، ومع ذلك استمرت الأزمات بسبب ضعف التمويل، وشح النقد الأجنبي، والتهريب، والفساد الإداري.
التحدي الحقيقي لا يكمن في من يستورد الوقود، بل في كيفية إدارة الملف. فإذا لم تتوفر احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، وإذا لم تُغلق منافذ التهريب التي تبتلع جزءاً كبيراً من الدعم، فإن الحكومة ستتحول من لاعب جديد في السوق إلى مجرد مشترٍ آخر للدولار، دون تأثير حقيقي على سعر الصرف.
كما أن حماية الاقتصاد الوطني لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل بإصلاحات هيكلية تشمل زيادة الصادرات، وتنشيط قطاع الذهب والزراعة، وتوسيع القاعدة الضريبية، ورفع كفاءة إدارة الموارد العامة.
الاقتصادات لا تُدار بالشعارات، وإنما بالأرقام. وسعر الصرف لن يستقر بقرار إداري، بل بتحقيق توازن حقيقي بين موارد البلاد من العملات الأجنبية وحجم الطلب عليها.
لذلك، فإن قرار اليوم يمكن أن يكون بداية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، أو مجرد حلقة جديدة في سلسلة المعالجات المؤقتة، والفيصل في ذلك سيكون مستوى الشفافية والكفاءة والقدرة على توفير التمويل المستدام

