*عدالة معلّقة على أبواب النائب العام: قضية د. عامر حسن*
*والامتحان الصعب لسيادة القانون*
*محمد يوسف العركي*
حينما تنام الحقيقة في سراديب البيروقراطية المفاجئة، ويهتز ميزان الطمأنينة في نفوس المواطنين، يصبح القلم جهاداً بالكلمة لرد الأمور إلى نصابها. إن القضية المفجعة للطبيب السوداني المغترب، الدكتور عامر حسن محمد أحمد، الذي اختفى في يناير 2023 بالخرطوم، تحولت اليوم من مأساة غياب شخصي إلى قضية رأي عام تمس جوهر المنظومة العدلية السودانية وهيبتها في أدق مراحل تعافيها.
قصة د. عامر ليست مجرد بلاغ جنائي عادي؛ بل هي سيناريو مأساوي لغدرٍ أُدير باحترافية عالية، وعمليات تضليل ممنهجة استهدفت عائلته المكلومة والرأي العام طوال فترة الحرب. لكن الإرادة الصلبة للأسرة، والنباهة الفائقة لشقيق المفقود الذي تتبع خيوط الجريمة عبر “قطعة غيار” بسيطة معروضة على منصات التواصل الاجتماعي، قادت إلى تفكيك لغز السيارة المنهوبة والوصول إلى القتلة الجناة بعد أن ظنوا أن الحرب قد طوت جرائمهم خلف الستار.
وهنا يبرز الدور الاستثنائي لمولانا محمد فريد، رئيس النيابة العامة بالولاية الشمالية، الذي أطلق شرارة الأمل بإعادة الروح للبلاغ واستخدام خبراته المتراكمة لربط الخيوط محلياً ودولياً، مما أسفر عن القبض على أربعة متهمين واستجلاء الحقائق واعتراف المتهم الرئيسي بقيادة سيارة الضحية بعد تعديل معالمها محركها. لقد شارف التحقيق على نهايته، وتعدل قيد البلاغ إلى “القتل العمد والنهب والاشتراك الجنائي”، وباتت الحقيقة قاب قوسين أو أدنى من الإشراق، وظهور رفات الفقيد ليوارى الثرى بكرامة تليق بإنسانيته وطبابته.
لكن الصدمة التي هزت وجدان الأسرة والمراقبين تمثلت في القرار الأخير الصادر عن السيد النائب العام المكلف، بإنهاء تكليف مولانا محمد فريد وتسليم ملف القضية لآخر. إن هذا القرار المفاجئ، وفي هذا التوقيت الحرج بالذات، يضع علامات استفهام كبرى، ويهدد بإعادة القضية إلى المربع الأول، وتركها معلقة بين دهاليز الانتظار، مما يفتح الباب للمخاوف المشروعة من وجود مؤثرات أو تدخلات تسعى لتمييع العدالة أو إطلاق سراح المتهم الرئيسي تحت وطأة الضغوط.
إننا من هذا المنبر، نرسل رسالة واضحة وصريحة إلى القيادة العدلية في البلاد: إن قضية الدكتور عامر حسن هي اختبار حقيقي لسيادة حكم القانون ونزاهة الأجهزة القضائية. نطالب السيد النائب العام المكلف بالإسراع في توجيه سير التحقيقات، وضمان استكمال التحريات بذات القوة والاحترافية، والكشف العاجل عن مكان رفات الفقيد لتهدئة روع أسرته المكلومة وطمأنتهم بأن دماء ابنهم لن تضيع هباءً في زحام التنقلات الإدارية.
أما الرسالة الأهم للرأي العام، فهي أن العدالة لا تتجزأ، وأن يقظة المجتمع هي الضامن الأول لعدم إفلات المجرمين من العقاب. ستبقى ثقتنا في المؤسسة العدلية قائمة،والتأكيد على ملاحقة كل من يثبت تورطه أو محاولته لتعطيل مسار القانون. إن حماية أمن المجتمع وتبديد مخاوفه تبدأ من تقديم هؤلاء الجناة إلى محاكمة عادلة ورادعة علنية، لتكون رسالة لكل من تسول له نفسه استباحة دماء الأبرياء.

