أزمة الطاقة المنسية: التهديد الصامت لمرونة قطاع النفط والغاز
مؤسسات عالمية : الذكاء الاصطناعي الحل لتحديات الإنتاجية ونقص القوى العاملة،
الدوحة: مجلة حواس
برادلي نوردال، الرئيس التنفيذي لشركة “آيوغو تكنولوجيز”
في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة تصاعداً في المخاطر الجيوسياسية وتسارعاً في التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، يبرز تهديد آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي رغم تداعياته المحتملة. فهذا الخطر الكامن في صميم العمليات التشغيلية قد يقوض مرونة البنية التحتية لقطاع النفط والغاز في الخليج وخارجه خلال السنوات المقبلة.
وخلال مشاركته في بودكاست مؤسسة العطية، الدوليه للطاقة والتنمية المستدامة سلط برادلي نوردال، الرئيس التنفيذي لشركة “آيوغو تكنولوجيز”، الضوء على تداعيات الفقدان التدريجي للمعرفة والخبرات التشغيلية داخل المؤسسات. وأكد أن هذه القضية لم تعد افتراضية، بل باتت ترتبط مباشرة بكفاءة العمليات وقدرة الدول والمؤسسات على الصمود.
وتركزت المناقشة حول ما وصفه نوردال بـ “تآكل المعرفة”، وهو التراجع التدريجي في الفهم التشغيلي الذي يحدث عندما يغادر أصحاب الخبرات المؤسسات من دون نقل الأسس والمنطق اللذين استندت إليهما القرارات الحاسمة.
وقال: “فقدان المعرفة حدث بحد ذاته، أما تآكل المعرفة فهو ما يحدث بصمت بين تلك الأحداث”.
ويأتي هذا التحدي في وقت يواجه فيه القطاع ضغوطاً ديموغرافية متزايدة. فبحسب مؤشر المواهب العالمي في قطاع الطاقة، يشكل العاملون الذين تزيد أعمارهم على 45 عاماً ما يقارب نصف القوى العاملة في قطاع النفط والغاز، في حين لا تزال قنوات استقطاب الكفاءات الشابة محدودة. كما تشير التوقعات إلى اتساع النقص في الكوادر الفنية المتخصصة خلال العقد المقبل.
ولتوضيح حجم المشكلة، طرح نوردال سيناريو افتراضياً لمنصة بحرية يضطر فيها أحد المشغلين إلى اتخاذ قرار فوري للتعامل مع خلل في أحد الضواغط، مستنداً إلى درس تعلمه قبل سنوات من زميل متقاعد.
وأضاف: “الحكم الذي أنقذ المنصة في تلك الليلة كان، بالمعنى الحرفي، صدى لذكرى باهتة وبعيدة “.
ويرى نوردال أن المؤسسات تنجح غالباً في حفظ التقارير والإجراءات والوثائق الفنية، لكنها تفشل في توثيق الخبرات العملية التي تربط بين هذه العناصر وتمنحها قيمتها التشغيلية.
وقال: “تبقى الوثيقة، لكن الحكم المهني والمنطق الذي استندت إليه يختفيان”.
واستشهد نوردال بكارثة منصة “بايبر ألفا” في بحر الشمال عام 1988، التي أودت بحياة 167 شخصاً، وعملية التعافي السريع لمنشأة بقيق السعودية لمعالجة النفط عقب هجمات عام 2019، لإبراز الدور المحوري الذي تؤديه المعرفة المؤسسية خلال الأزمات.
وأوضح: “عندما تتآكل المعرفة التشغيلية، لا تظهر العواقب إلا في أكثر الأوقات حرجاً ومن دون سابق إنذار. أما عندما تُوثق هذه المعرفة وتُدار بفعالية وتُبنى على أسس مرنة، فإن المؤسسات تصبح قادرة على تجاوز أزمات كان من الممكن أن تقضي عليها”.
كما تناولت المناقشة تداعيات الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح محوراً رئيسياً في استراتيجيات شركات الطاقة في الخليج. وبينما تنظر مؤسسات كثيرة إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره حلاً لتحديات الإنتاجية ونقص القوى العاملة، حذر نوردال من توظيف هذه التقنيات قبل معالجة الثغرات الأساسية في إدارة المعرفة.
وقال: “عندما يُطبَّق الذكاء الاصطناعي على معرفة متآكلة، فإنه يضاعف المشكلة. فإذا كانت المؤسسة قد نجحت في توثيق المعرفة التشغيليةالعميقة، فإن الذكاء الاصطناعي يعزز الاستفادة منها بكفاءة. أما إذا كانت تعتمد على أرشيف ضخم من المخرجات والمعارف غير الموثقة، فسيقدم الذكاء الاصطناعي إجابات تبدو في ظاهرها موثوقة لكنها قد لا تكون كذلك”.
وبحسب نوردال، ينبغي أن تركز المرحلة المقبلة من التحول الرقمي على الحفاظ على الخبرات المتراكمة بدلاً من السعي إلى استبدالها.
وفي ختام الحوار، دعا نوردال قادة القطاع إلى التحرك قبل أن تتحول فجوات المعرفة إلى إخفاقات تشغيلية.
وقال: “يبقى السؤال الحقيقي، هل سنبادر إلى توثيق ما نعرفه اليوم بينما لا تزال الفرصة متاحة، بحيث ترث الأجيال المقبلة القدرة على إصدار الأحكام السديدة، لا مجرد أرشيف من الوثائق والبيانات”.
وتتوفر الحلقة الكاملة من البودكاست عبر قناة مؤسسة العطية على منصة يوتيوب ومن خلال الموقع الإلكتروني للمؤسسة.

