الدولار يواصل الصعود… والاقتصاد السوداني في دائرة الأسئلة الصعبة
المؤشرات الاقتصادية :الجنيه السوداني فقد أكثر من 95% من قيمته خلال السنوات الأخيرة
الدوحة: حسن أبو عرفات
أزمة تراجع سعر الصرف في السودان لا يمكن اختزالها في جهة واحدة أو قرار بعينه، لأن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في الاقتصاد قبل أن يكون نتيجة سياسات آنية. ضعف الإنتاج الحقي، وتراجع الصادرات، واضطراب بيئة الاستثمار، كلها عوامل جعلت عرض النقد الأجنبي محدوداً مقابل طلب متزايد ومتسارع.
تحميل البنك المركزي وحده كامل المسؤولية فيه قدر من التبسيط، رغم أن السياسات النقدية بالفعل تتحمل جانباً من إدارة الأزمة، خاصة فيما يتعلق بتعدد أسعار الصرف وغياب الانضباط في السوق الموازي. لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أثر السياسة المالية، واتساع عجز الموازنة، وتعطل أدوات الدولة الاقتصادية في خلق موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
الحقيقة أن سعر الصرف في مثل هذه الظروف يصبح انعكاساً مباشراً لحالة الاقتصاد ككل، وليس مجرد نتيجة قرار إداري أو إجراء تنظيمي. ومن ثم فإن الحل لا يكون بتغيير الأشخاص فقط، بل بإعادة بناء منظومة الإنتاج، وإصلاح المالية العامة، واستعادة الثقة في النظام المالي.
بدون معالجة جذرية لهذه الاختلالات، ستظل أي إجراءات جزئية غير قادرة على وقف التدهور، بل قد تؤجل فقط مساراً كان يجب أن يُعالج من الأساس
أولاً: سعر الصرف وتدهور الجنيه السوداني
في السوق الموازي خلال 2024–2025، تجاوز سعر الدولار الأمريكي حدود 1000 إلى 1500 جنيه سوداني في فترات متعددة، مع اختلافات يومية كبيرة بين المناطق.
منذ 2019، فقد الجنيه السوداني أكثر من 95% من قيمته أمام الدولار في السوق الموازية.
استمرار وجود سعرين أو أكثر للصرف (رسمي وموازي) يعكس اختلالات هيكلية في سوق النقد الأجنبي.
ثانياً: التضخم والأسعار
وفق تقديرات دولية (مثل البنك الدولي وصندوق النقد)، سجل السودان معدلات تضخم تراوحت بين 100% إلى أكثر من 300% في بعض السنوات الأخيرة.
التضخم المرتفع أدى إلى تآكل القوة الشرائية بشكل حاد، خصوصاً في الغذاء والوقود والدواء.
أكثر من 60% من دخل الأسر الحضرية يُنفق على الغذاء في فترات التضخم المرتفع.
ثالثاً: الناتج المحلي والاقتصاد الكلي
انكمش الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد خلال سنوات النزاع، مع تقديرات تشير إلى تراجع يتجاوز 20% في بعض الفترات بين 2023–2024.
الاقتصاد غير الرسمي يشكل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي، قد تصل إلى 50% أو أكثر من الاقتصاد الفعلي.
رابعاً: الإنتاج والصادرات
صادرات السودان تعتمد بشكل أساسي على:
الذهب (يمثل أكبر مصدر نقد أجنبي)
الذهب أصبح أكبر مصدر للصادرات غير النفطية في السودان
يشكل تقريباً نحو 40–50% من إجمالي الصادرات غير النفطية
الإنتاج الفعلي كبير، لكن جزءاً منه لا يدخل في القنوات الرسمية (تهريب)، لذلك قد تكون القيمة الحقيقية أعلى من المعلن
في السنوات الجيدة (مثل 2021–2024):
حوالي 1.5 إلى 2.2 مليار دولار سنوياً
مثال واضح:
2022: حوالي 2.0 مليار دولار
2023: حوالي 2.18 مليار دولار
الثروة الحيوانية
بعض المحاصيل الزراعية مثل السمسم والصمغ العربي
رغم ذلك، يقدَّر أن جزءاً كبيراً من صادرات الذهب يتم تهريبه خارج القنوات الرسمية، ما يقلل من حصيلة النقد الأجنبي للدولة.
خامساً: المالية العامة
عجز الموازنة في السنوات الأخيرة يُقدَّر في بعض الفترات بأكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
تراجع الإيرادات الضريبية بسبب ضعف النشاط الاقتصادي واتساع القطاع غير الرسمي.
ارتفاع الاعتماد على التمويل النقدي في بعض الفترات ساهم في زيادة الضغوط التضخمية
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن الجنيه السوداني فقد أكثر من 95% من قيمته خلال السنوات الأخيرة، في ظل تضخم تجاوز في بعض مراحله 300%، وانكماش حاد في الناتج المحلي. كما أن محدودية الصادرات الرسمية واتساع الفجوة في سوق الصرف أسهما في تعزيز الضغط على العملة المحلية، في وقت تتزايد فيه الفجوة بين العرض والطلب على النقد الأجنبي بشكل غير مسبوق.

