السودان بين ثراء الموارد وضيق الاقتصاد: طريق استعادة السيادة الوطنية؟
السفير د. معاوية البخاري
في خضم الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها البلاد، خاصة الحالة الاقتصادية الضاغطة، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع فجوة النقد الأجنبي، تبرز الحاجة إلى حزمة إصلاحات اقتصادية جذرية ملحة، تتجاوز المعالجات الإسعافية المؤقتة إلى إعادة بناء المنظومة الاقتصادية على أسس أكثر انضباطاً وكفاءة واستدامة، بتدابير طارئة ومحكمة.
وعودة إلى ما كتبناه مراراً حول قطاع المعادن والذهب على وجه الخصوص، فإن المفارقة السودانية ما تزال قائمة؛ فالدولة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات المعدنية في الإقليم، وتنتج كميات معتبرة من الذهب سنوياً، لكن انعكاس هذه الموارد على الاقتصاد الوطني وحياة الناس ظل محدوداً بسبب اضطراب السياسات، وضعف الرقابة، وتعدد مراكز القرار، واتساع نطاق التهريب والاقتصاد الموازي، أدت الي هذه الفجوات والتشوهات في المنظومة الاقتصادية.
الذهب بين الوفرة والفوضى
لقد أصبح الذهب المورد الأهم للنقد الأجنبي في السودان خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الجزء الأكبر من عوائده لا يصل إلى الخزانة العامة بالصورة المطلوبة. فشبكات التهريب العابرة للحدود، وضعف الضبط الإداري، وتضارب السياسات النقدية والتصديرية، أدت إلى استنزاف مورد كان يمكن أن يشكل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي وحفظ التوازن وتقليل الصدمات، وازالة التشوهات الماثلة.
إن الخطوة الأكثر أهمية اليوم تتمثل في إحكام السيطرة على سلسلة إنتاج وتسويق وتصدير الذهب بالكامل، بدءاً من التعدين التقليدي والمنظم، مروراً بعمليات الشراء والتجميع، وانتهاءً بالتصدير عبر القنوات الرسمية. كما أن مكافحة التهريب لم تعد خياراً إدارياً عادياً، بل أصبحت قضية سيادة اقتصادية وأمن قومي في المقام الأول، يلزمها خطة تأمينية فاعلة.
فالخسائر الناتجة عن تهريب الذهب وتنقيته لا تقتصر على فقدان عائدات الصادر، بل تمتد إلى إضعاف قيمة العملة الوطنية، وتعميق عجز الميزان التجاري، وتوسيع نشاط الاقتصاد غير الرسمي الذي يعمل خارج نطاق الدولة.
الصادر.. بوابة التعافي الاقتصادي
لا يمكن لأي اقتصاد أن يستعيد عافيته دون إدارة رشيدة لموارد الصادر. والسودان يمتلك إمكانات ضخمة من الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية والمنتجات البستانية، إلا أن هذه الإمكانات ما تزال دون مستوى الاستغلال الأمثل، ولا يوجد ضبط واحكام لكامل حلقاتها بما يعجل خطى التعافي وتحقيق الفائدة.وتتطلب المرحلة الحالية مراجعة شاملة لسياسات الصادرات، وتبسيط الإجراءات، ومحاربة الفساد والرسوم المتعددة، وربط عائدات الصادر بالنظام المصرفي الرسمي، بما يضمن تدفق النقد الأجنبي إلى الاقتصاد الوطني بدلاً من تسربه إلى الأسواق الموازية.
كما أن استقرار السياسات يمثل عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، إذ لا يمكن بناء قطاع تصديري قوي في ظل قرارات متقلبة أو بيئة تنظيمية غير مستقرة، او منظومة اقتصادية رديفة خارج هياكل المؤسسات.
السلع الاستراتيجية وأهمية دور الدولة
إلى جانب ملف الصادرات، تبرز أهمية استعادة الدولة لدورها التنظيمي والرقابي في إدارة السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الوقود ومشتقاته، والأدوية، والقمح والسلع الغذائية الأساسية.
فالتقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية، إلى جانب التداعيات المستمرة للحروب والصراعات الإقليمية، جعلت الأمن الغذائي والدوائي والطاقة جزءاً من منظومة الأمن القومي للدول.
ولا يعني ذلك العودة إلى نماذج الاحتكار الحكومي التقليدية، وإنما بناء آليات فعالة للرقابة والتنظيم، وضبط الاستيراد وفق الأولويات الوطنية، ومنع الاحتكار والمضاربات، وترشيد الاستهلاك، وحماية الفئات الأكثر تأثراً بالأزمات الاقتصادية. اي اعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية، وسياج اليات التنسيق فيما بينها لضمان الكفاءة والفاعلية والمنتج العام.
معضلة مترابطة وليست أزمات منفصلة
الخطأ الذي وقعت فيه كثير من السياسات السابقة يتمثل في التعامل مع كل قطاع بمعزل عن الآخر، بينما الواقع يؤكد أن قطاعات الذهب والصادرات والوقود والزراعة والثروة الحيوانية تشكل منظومة مترابطة ومكملة لبعضها.
فالذهب يوفر النقد الأجنبي، والنقد الأجنبي يمول استيراد المدخلات الزراعية والوقود والدواء، والزراعة والثروة الحيوانية ترفع حجم الصادرات غير البترولية، فيما تسهم عائدات الصادر في تعزيز الاستقرار النقدي والمالي. هذه التشابكات هي سر نجاح عجلة الاقتصاد لا الفردانية.
ومن هنا فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينظر إلى هذه القطاعات باعتبارها حلقات متكاملة في سلسلة واحدة، لا ملفات منفصلة تتنازعها المؤسسات والقرارات المتضاربة.
مجلس الموارد الاستراتيجية.. القرار المؤجل
ظلّ إنشاء مجلس أعلى للموارد الاستراتيجية واحداً من أهم المقترحات المؤسسية المطروحة خلال السنوات الأخيرة، بوصفه إطاراً يتولى الإشراف والتنسيق بين القطاعات المنتجة للنقد الأجنبي والموارد السيادية، وفي مقدمتها المعادن والنفط والزراعة والثروة الحيوانية والصادرات الاستراتيجية. ورغم أن الفكرة ليست جديدة، بل هي حاضرة ضمن هيكل الجهاز التنفيذي للدولة، فإنها لم تنتقل بعد من مستوى التصور إلى مستوى التنفيذ الفعلي والنفاذ.
وتزداد الحاجة اليوم إلى هذا المجلس أكثر من أي وقت مضى، لا باعتباره جهازاً بيروقراطياً إضافياً، وإنما منصة مركزية لصناعة القرار الاقتصادي الاستراتيجي وتنسيق السياسات بين الوزارات والمؤسسات ذات الصلة. فقد أظهرت التجربة أن جانباً كبيراً من الاختلالات الراهنة يعود إلى تشتت مراكز القرار، وتضارب السياسات، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية بالإنتاج والتصدير والنقد الأجنبي والاستيراد، في وقت تعمل فيه المؤسسات غالباً بصورة منفصلة رغم الترابط العضوي بين ملفات الذهب والطاقة والزراعة والثروة الحيوانية والتجارة الخارجية.
ومن شأن مجلس فاعل للتخطيط والموارد الاستراتيجية أن يضع رؤية وطنية موحدة لإدارة هذه القطاعات، وأن يراقب تنفيذ السياسات ويقيس أثرها بصورة دورية، بما يضمن توجيه الموارد نحو أولويات التنمية والإنتاج، ويحد من استنزافها في دوائر الفوضى والتهريب والقرارات المتناقضة. لذلك فإن ايجاد وتفعيل هذا المجلس لم يعد ترفاً إدارياً أو خياراً قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة اقتصادية ووطنية تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها، خصوصاً في ظل الحرب وما خلفته من ضغوط على المالية العامة وسلاسل الإنتاج والتجارة.
نحو عقد اقتصادي جديد
إن ما يواجه السودان اليوم ليس مجرد أزمة سيولة أو اختلال في سعر الصرف أو نقص في النقد الأجنبي، بل هو في جوهره أزمة إدارة موارد وأزمة حوكمة اقتصادية قبل أي شيء آخر. فالدول لا تنهض بوفرة الموارد وحدها، وإنما بقدرتها على إحكام السيطرة عليها، وحسن توظيفها، ومنع تسرب عائداتها إلى مسارات الفساد والتهريب والاقتصاد الموازي.
ولعل المفارقة المؤلمة أن السودان يمتلك من الموارد المعدنية والزراعية والحيوانية ما يؤهله ليكون واحداً من الاقتصادات الصاعدة بقوة في الإقليم، لكنه ظل عاجزاً عن تحويل هذه الميزات النسبية إلى قوة اقتصادية حقيقية بسبب تشتت السياسات، وضعف التنسيق، وتآكل مؤسسات الرقابة والإدارة الرشيدة.
إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد، ومن القرارات الجزئية المتفرقة إلى رؤية استراتيجية متكاملة تضع الذهب والصادرات والزراعة والثروة الحيوانية والطاقة ضمن مشروع وطني واحد، تتكامل فيه الأدوار وتتحدد فيه المسؤوليات وتخضع مخرجاته للمتابعة والمحاسبة.
فالسودان لا يحتاج إلى اكتشاف ثروات جديدة بقدر ما يحتاج إلى استعادة السيطرة على ثرواته القائمة، ولا يحتاج إلى موارد إضافية بقدر حاجته إلى مؤسسات قوية تحسن إدارتها وتحميها من العبث والفوضى والاستنزاف وفق القانون.
وفي ظل التحديات الاقتصادية التي فرضتها الحرب، فإن معركة حماية الموارد الوطنية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى تخوضها الدولة. ذلك أن كسب معركة الاقتصاد هو الطريق الأقصر إلى تثبيت الاستقرار، واستعادة الثقة في العملة الوطنية، وتمويل الخدمات الأساسية، وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وإذا كان السودان قد نجح في حماية سيادته ووحدته الوطنية في مواجهة التحديات الوجودية، فإن التحدي الذي يفرض نفسه اليوم هو حماية سيادته الاقتصادية. فالثروات التي لا تُدار بكفاءة قد تتحول إلى عبء، أما الثروات التي تُدار برؤية ومؤسسات وسياسات مستقرة فإنها تصبح أساساً للنهضة والتنمية والاستقرار.
ومن هنا فإن اللحظة الراهنة تستدعي قرارات كبيرة بقدر التحديات الكبيرة، وتستدعي إرادة سياسية تمضي إلى جذور المشكلة لا إلى مظاهرها. فإما أن تستعيد الدولة زمام مواردها وتوظفها لصالح شعبها ومستقبلها، وإما أن تظل هذه الموارد نفسها ساحة مفتوحة للنهب والفوضى والتهريب والاستنزاف. وبين الخيارين يتحدد مستقبل الاقتصاد السوداني لعقود قادمة، والامساك بكليات هذا القطاع الحيوي وإخضاعه للهيكلة والرقابة امر في غاية الاهمية لا يحتمل التأخير.
—————-
٢٥ يونيو ٢٠٢٦ م

