التحول الرقمي في السودان..
234 مليون معاملة مصرفية ترسم ملامح اقتصاد أقل اعتماداً على النقد
د. مروة فؤاد قباني
خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي
يشهد القطاع المصرفي السوداني تحولاً متسارعاً نحو الخدمات الرقمية، مع ارتفاع كبير في استخدام التحويلات الإلكترونية بين الحسابات المصرفية، في مؤشر يعكس تغيراً تدريجياً في سلوك المتعاملين وانتقالاً متزايداً نحو الاعتماد على القنوات المالية الحديثة بدلاً عن التعاملات النقدية التقليدية.
وأعلن بنك السودان المركزي أن شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية التابعة له سجلت تقدماً ملحوظاً في خدمات التحويل بين الحسابات عبر رقم الحساب المصرفي الأساسي BBAN، حيث تجاوز إجمالي عدد المعاملات المنفذة حاجز 234 مليون معاملة خلال الفترة بين عامي 2025 و2026.
ويُعرف BBAN (Basic Bank Account Number) بأنه رقم الحساب المصرفي الأساسي أو الموحد، وهو نظام يهدف إلى تنظيم وتوحيد بيانات الحسابات المصرفية بما يسهل عمليات التحويل بين العملاء والمصارف، ويقلل الأخطاء، ويسرع حركة الأموال دون الحاجة إلى الإجراءات التقليدية.
وبحسب تقرير تقدم الأعمال الصادر عن بنك السودان المركزي، ارتفع عدد المعاملات من 92.8 مليون معاملة خلال عام 2025 إلى 141.46 مليون معاملة خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت نحو 48.66 مليون معاملة، وبنسبة نمو وصلت إلى 52.44%.
وتعكس هذه الأرقام توسعاً واضحاً في استخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية، إلا أن قراءتها تحتاج إلى النظر إلى جانبين؛ الأول هو حجم الانتشار، حيث أصبحت التحويلات الرقمية وسيلة يومية لدى شريحة واسعة من العملاء، والثاني هو القيمة المالية لهذه العمليات، لأن ارتفاع عدد المعاملات لا يعني بالضرورة أن كل النشاط الاقتصادي انتقل بالكامل إلى القنوات الرقمية، لكنه يشير إلى تغير مهم في طريقة إدارة الأموال.
ويأتي هذا النمو في وقت تحتاج فيه البيئة الاقتصادية إلى وسائل أكثر كفاءة لتحريك السيولة، حيث تساهم المدفوعات الإلكترونية في تقليل تكلفة تداول النقد، وتحسين سرعة انتقال الأموال، وزيادة الشفافية، وتقليل الاعتماد على التعاملات خارج النظام المصرفي.
كما يمثل توسع الخدمات الرقمية خطوة مهمة نحو تعزيز الشمول المالي، من خلال إتاحة وسائل دفع وتحويل أكثر سهولة للأفراد وقطاع الأعمال، وربط النشاط الاقتصادي بشكل أكبر بالمصارف والمؤسسات المالية الرسمية.
وفي المرحلة المقبلة، يرتبط مستقبل هذا التحول بعدة عوامل، من أبرزها المحول القومي للمدفوعات، وهو نظام يهدف إلى تسريع انتقال الأموال بين عملاء المصارف عبر قنوات ووسائل الدفع المختلفة، بما يسمح بتنفيذ التحويلات بين الحسابات المصرفية بصورة أكثر سرعة وكفاءة.
ويمثل المحول القومي بنية أساسية لتطوير منظومة الدفع في السودان، لأنه يساعد في ربط المصارف التجارية ضمن شبكة أكثر تكاملاً، كما يأتي مع توجه بنك السودان المركزي نحو ترخيص محولات مالية لشركات التقنية المالية، بحيث تساهم هذه الشركات في ربط المصارف بالمحول القومي وتقديم حلول دفع إلكترونية مبتكرة.
هذا الربط يمكن أن يرفع كفاءة القطاع المصرفي، إذ تنتقل الخدمات المالية من أنظمة منفصلة داخل كل مصرف إلى منظومة مترابطة تتيح سرعة أكبر في تنفيذ المعاملات وتوسيع الخيارات أمام العملاء والتجار.
كما أن انتشار نقاط البيع الإلكترونية (POS) سيكون عاملاً حاسماً في المرحلة المقبلة، فكلما توسعت نقاط الدفع في الأسواق والمتاجر زادت قدرة التجار على استقبال المدفوعات إلكترونياً، وهو ما قد يعزز ثقتهم في إيداع الأموال داخل الحسابات المصرفية بدلاً من الاحتفاظ بالنقد خارج النظام المالي.
وزيادة ثقة التجار في الحسابات المصرفية ستنعكس على حركة الاقتصاد، إذ يمكن أن تتحول الحسابات البنكية من مجرد وسيلة لحفظ الأموال إلى أداة رئيسية لإدارة المبيعات والمشتريات وسداد الالتزامات.
كما أن رفع سقوف المعاملات الإلكترونية يمثل عاملاً مهماً لتوسيع استخدام الخدمات الرقمية، خاصة بالنسبة للشركات والتجار الذين يحتاجون إلى تنفيذ عمليات مالية أكبر. فكلما ارتفع السقف المتاح للتحويل والدفع، أصبحت القنوات الإلكترونية أكثر ملاءمة للنشاط التجاري اليومي.
وفي السياق ذاته ، فإن عودة وتوسع نظام المقاصة الإلكترونية يمكن أن يدعم النشاط التجاري، من خلال تسريع معالجة الشيكات وتحسين كفاءة تسوية المدفوعات، مما قد يعيد الثقة تدريجياً في استخدام الشيك كأداة ضمان للسداد في المعاملات التجارية، خاصة مع وجود سقوف مالية أكبر وضوابط مصرفية أكثر تطوراً.
وخلال عامي 2027 و2028، تشير التوقعات إلى أن مسار النمو في المعاملات الرقمية قد يتواصل، خاصة إذا اكتملت حلقات الربط بين التحويلات الإلكترونية، المحول القومي، نقاط البيع، المقاصة الإلكترونية، وخدمات التقنية المالية.
وفي حال استمرار النمو بمعدلات قريبة من المستويات الحالية، فإن عدد المعاملات الرقمية يمكن أن يشهد توسعاً كبيراً خلال العامين المقبلين، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث تنوع الاستخدامات ودخول قطاعات تجارية وخدمية جديدة إلى المنظومة المصرفية.
لكن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطاً بعدة تحديات، أبرزها استقرار البنية التقنية، جودة خدمات الاتصالات، حماية المعاملات من الاحتيال الإلكتروني، ونشر الثقافة المالية الرقمية بين المستخدمين.
وفي المحصلة، فإن التحول الرقمي المصرفي في السودان لا يمثل مجرد انتقال من النقد إلى التطبيقات، بل يمثل إعادة تشكيل لطريقة إدارة الأموال داخل الاقتصاد.
فنجاح المنظومة سيقاس بقدرتها على جذب النشاط التجاري إلى القنوات الرسمية، وزيادة الثقة في القطاع المصرفي، وتحويل الخدمات الرقمية إلى محرك حقيقي للنمو الاقتصادي.

