*خمسة عشر عاماً من التميز .. حين تصبح حواس “حذام” الإعلام السوداني*
*بقلم: محمد يوسف العركي*
*الباحث في استراتيجيات المعرفة والدراسات الثقافية*
أن تُطفئ مؤسسة صحفية شمعتها الخامسة عشرة في عالم الصحافة اليوم، فهذا إنجاز يستحق الوقوف عنده طويلاً. أما أن تفعل ذلك مجلة سودانية عاصرت من التحولات السياسية والتعقيدات الاقتصادية ما يهدّ الجبال، ثم تخرج من أتون الحرب الكارثية أكثر صلابة وانتشاراً، فهذا ليس مجرد نجاح تذكاري؛ بل هو ملحمة صمود واستثنائية تُكتب بمداد من الإصرار والمهنية والوعي الرائد.
وبصفتي واحداً من كتّاب هذه المنارة الفكرية والصحفية، يسعدني ويشرفني أن أخط هذه السطور الاحتفائية بمسيرة *مجلة “حواس”*، متتبعاً خيوط نجاحها التي تشابكت لتصنع هذا الحضور الاستثنائي.
*من ضيق التخصص إلى رحابة الشمول الإنساني:*
لقد بدأت “حواس” رحلتها قبل عقد ونصف بتركيز معرفي وعلمي صارم على تفكيك المشهد الاقتصادي وقراءته. ولكن، لأن الاقتصاد في جوهره ليس مجرد أرقام وجداول صامتة، بل هو نبض الشارع وحركة المجتمع وثقافة الإنسان، سرعان ما تجاوزت المجلة أطرها المتخصصة الضيقة.
لقد تمددت “حواس” بوعي لترسم لوحة شاملة تغطي كافة المجالات السياسية، والاجتماعية، والثقافية. هذا التحول لم يكن عشوائياً، بل جاء نتاج إدراك عميق بأن قضايا التنمية والبناء لا يمكن تفكيكها بمعزل عن بعضها، لتصبح المجلة وجبة فكرية متكاملة يجد فيها النخبة والمواطن البسيط ضالتهم المعرفية.
*”إذا قالت حذام فصدقوها”.. العقيدة المهنية لـ “حواس”*
وفي هذا العصر المتخم بالتدفق اللامتناهي للمعلومات المُضللة والإشاعات، تبرز قيمة “حواس” الكبرى في تبنيها لمنهج *مصداقية الخبر ودقة التحليل*. وهنا تحديداً تتجلى مقاربة بليغة مع مأثورنا العربي القديم الذي يضرب المثل بوعي “حذام” وصدق بصيرتها التي لا تخيب، حتى خلد الشاعر قولته: *إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ*
واليوم، يصح لنا أن نقول إن “حواس” هي “حذام” الصحافة السودانية؛ فبينما تتسابق الكثير من المنصات على الإثارة الرخيصة والسبق الأجوف، ظلت “حواس” تتأنى لتزن الحرف بميزان الذهب. وحين تنشر المجلة تقريراً أو تقرأ ظاهرة، فإن الأوساط النخبوية والمهتمين يتعاملون مع مخرجاتها بذات اليقين الموثوق، لأن خلف الخبر عقولاً تدرك أبعاد الكلمة ومسؤولية الكلمة الصادقة.
*الصمود في وجه العاصفة والعبور نحو العالمية:*
ولأن المحك الحقيقي للمؤسسات يظهر في أوقات الأزمات الكبرى، فقد خاضت “حواس” اختبارها الأصعب خلال فترة الحرب العصيبة التي يمر بها السودان. وفي الوقت الذي صمتت فيه الكثير من المنابر الإعلامية، رفضت “حواس” الاستسلام.
*استمرار الصدور المزدوج:* تحدت المجلة ظروف النزوح والتشتت والتعقيدات اللوجستية، وواصلت صدورها *ورقياً وإلكترونياً* دون انقطاع.
*السيادة الرقمية:*
وسّعت رقعة انتشارها على المنصات الرقمية المختلفة، محولةً الأزمة إلى جسر تواصل ممتد مع القارئ في كل بقاع الأرض.
*المصدر الموثوق عالمياً:* لم يعد صدى المجلة محلياً فحسب، بل تحولت تقاريرها الرصينة وتحليلاتها الدقيقة إلى مرجع رئيسي تعتمد عليه كبريات وكالات الأنباء العالمية كمصدر موثوق للملفات السودانية والإقليمية الشائكة.
*صناع الأمل: قيادة ملهمة وفريق مقاتل*
هذا العبور المعجز وسط النيران لم يكن ليتأتى لولا طاقة دافعة وعقل يدير هذه التفاصيل بحب واحترافية. إن الاحتفاء بـ “حواس” اليوم هو في جوهره تحية مستحقة لربان هذه السفينة وعرّابها، رئيس التحرير الأستاذ *طارق شريف*، الذي أثبت برؤيته الثاقبة وصموده العنيد أن الحرف لا يموت، وظل حارساً لوعي الجماعة الصحفية في أحلك ظروفها.
والتحية موصولة لكتيبته الأنيقة من الكتاب، والمحررين، والفنيين، والإداريين؛ هؤلاء المقاتلين المعرفيين الذين لم يثنهم النزوح ولا شظف الظروف عن تقديم مادة تليق بجمهور “حواس”.
*عتبة المستقبل.. وفي انتظار “حواس بودكاست”*
إننا إذ نختتم هذه السنوات الخمس عشرة من العطاء المعرفي والمهني، لا ننظر إلى الخلف إلا لنستمد القوة من أجل خطوات أوسع نحو المستقبل. نرفع أصدق الدعوات والتهاني لأسرة التحرير وجميع الزملاء، متمنين للمجلة مزيداً من التقدم والرفعة.
وفي سياق هذا التطور الرقمي المتسارع، أتطلع أن أرى قريبا *”حواس بودكاست”* . فالساحة الإعلامية اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذه الإضافة النوعية؛ لتنقل دقة التحليل وعمق الحوار من الحبر والسطور إلى رحابة الصوت والكلمة المسموعة، ملامسةً وعي جيل جديد يبحث عن الحقيقة بأسلوب عصري، رصين، ومنظم.

