مأمون حميدة.. ثلاثة عقود من صناعة الأطباء وبناء الإنسان
الدوحة حسن ابوعرفات مجلة حواس
هناك أشخاص تعرفهم قبل أن يعرفهم الناس، وتستمع إلى أحلامهم قبل أن تتحول إلى حقائق. والبروفيسور مأمون حميدة واحد من هؤلاء.
في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وكنت مسؤولاً عن صفحة السودان في صحيفة الشرق القطرية، دخل إلى مكتبي شاب سوداني بسيط المظهر، يرتدي قميصًا نصف كم، لكن حديثه كان مفعمًا بالثقة والطموح. صافحني قائلاً: “أنا الدكتور مأمون حميدة، وأحمل مشروعًا لإنشاء جامعة للطب والعلوم، أريدها أن تكون من أحدث الجامعات في السودان.”
استمعت إليه طويلًا، وأجريت معه حوارًا تصدّر صفحة السودان. كان يتحدث عن جامعة بمعايير عالمية في وقت كانت فيه مثل هذه الأفكار تبدو بعيدة المنال. لم يكن يملك سوى رؤية واضحة وإيمان لا يتزعزع بأن السودان قادر على بناء مؤسسة أكاديمية تنافس أفضل الجامعات. وبعد ذلك اللقاء، تكررت لقاءاتنا في الدوحة خلال زياراته المتعددة، وكنت أتابع باهتمام رحلة تحول الحلم إلى واقع.
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أجدني أستعيد ذلك الحوار الأول وأنا أرى كيف أصبحت جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا واحدة من أبرز مؤسسات التعليم العالي في السودان، وكيف واجهت أقسى اختبار في تاريخها خلال سنوات الحرب.
لقد أثبت البروفيسور مأمون حميدة أن قيمة المؤسسات لا تُقاس بحجم مبانيها، وإنما بقدرتها على الصمود حين تتهاوى الجدران. فبينما توقفت مؤسسات كثيرة، واصل مشروعه التعليمي أداء رسالته، وحافظ على حقوق العاملين، وحرص على ألا تضيع سنوات الطلاب الدراسية، فنقلت الجامعة برامجها إلى دول أخرى، ووسعت نطاق التعليم الإلكتروني، لتقدم نموذجًا نادرًا في استمرارية التعليم وسط الحرب.
من تأسيسها عام 1995، واستقبالها أول دفعة في عام 1996، لم تكن الجامعة مجرد مشروع استثماري، بل مشروع لبناء الإنسان. بدأت بثلاث كليات، ثم توسعت لتضم 13 كلية وأكثر من 20 برنامجًا للدراسات العليا، وأسهمت في تخريج آلاف الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وغيرهم من الكوادر الصحية الذين يعملون اليوم في السودان ودول الخليج وأوروبا وأفريقيا، ويقدمون خدماتهم في أرقى المؤسسات الطبية.
وعندما اجتاحت الحرب الخرطوم في أبريل 2023، لم تستسلم الجامعة للدمار، بل نقلت جزءًا من برامجها إلى رواندا، وأتاحت الدراسة لطلابها في دول أخرى، واستمرت في أداء رسالتها رغم فقدان مبانٍ ومعامل وتجهيزات كلفت ملايين الدولارات. كانت الرسالة واضحة: يمكن للحرب أن تدمر الحجر، لكنها لا تستطيع أن تهزم الإرادة.
لا أدّعي أن الناس يجمعون على البروفيسور مأمون حميدة، فكل الشخصيات العامة محل اختلاف، لكن الإنصاف يفرض علينا أن نميز بين الخلاف حول الأشخاص والاعتراف بالإنجازات. فالذين يبنون المؤسسات، ويصنعون الكفاءات، ويواصلون العطاء في أحلك الظروف، يستحقون أن يُذكروا بما قدموه، لا بما قيل عنهم.
إن السودان بعد الحرب لن يعاد بناؤه بالشعارات، بل بالعقول والخبرات والمؤسسات التي أثبتت قدرتها على الصمود. وستكون الجامعات في مقدمة أدوات هذا البناء، لأنها تصنع الإنسان قبل أن تشيد المباني.
وأنا أستعيد ذلك اللقاء قبل أكثر من ثلاثين عامًا، أدرك أن ذلك الشاب الذي جاء يحمل فكرة في ذهنه، ترك اليوم أثرًا في حياة عشرات الآلاف من الخريجين، وفي مسيرة التعليم الطبي في السودان. وهذه، في تقديري، هي القيمة الحقيقية لأي مشروع وطني… أن يبقى أثره في الإنسان، وأن يظل عطاؤه ممتدًا مهما عصفت بالوطن الأزمات


