المفاجأة الكبرى: حين ينقلب السعي إلى مأساة
بروفسور حسن موسى يوسف
الجمعة 14 اغسطس 2026
صدمة التوقع ومفارقات السعي
أحياناً يُفاجَأ الإنسان بأشياء غير متوقعة لم تكن في حسبانه ولا في مخيلته. كأن يخرج المرء من دياره ساعياً نحو هدف نبيل أو أمل بالرخاء ويرجع صفر اليدين. أو كمن يخرج من داره بحثاً عن الذهب ويدخل في أعماق الصخور والجبال، فلا يجد شيئاً يستحق كل ذلك العناء والجهد، بل يزداد شقاءً وكدراً وتعباً، ويرجع إلى أهله متحسراً مكفهر الوجه، يحمد الله على السلامة والنجاة من أنفاق البحث المخيفة.
أو كمن جهّز عدّته وعتاده من سهام ورماح لصيد الغزلان في الفيافي التي تُعرف بالصيد، وفجأة يجد نفسه وجهاً لوجه أمام أسود وضباع وحيوانات متوحشة أتت لنفس الغرض وهو الصيد؛ عندها يصير في حرج شديد من أمره، فيترك السعي وراء الرزق والعيش جانباً ليطلب الأمان والحماية من الخطر، طمعاً في مجرد النجاة والحياة.
المفاجآت الكبرى في الواقع السوداني
لقد شكلت المفاجآت غير الحميدة جانباً كبيراً من الحياة في السودان، وكانت “المفاجأة الكبرى” أو أم المفاجآت إن شئت، عندما خرج الشعب لتغيير النظام وفوجئ بالعدوان. خرجوا في مظاهرات زرافات ووحداناً في الشوارع والساحات ضد الحكومة السابقة. خرج الناس وهم يمقتون شظف العيش، ويثورون ويهتفون “تسقط بس” من اجل الحرية والعدالة والديمقراطية ووجدوا الاسلحة تصوب لصدورهم.
خَرجوا من أجل الحرية ولقمة العيش فوجدوا أنفسهم أُخرجوا عنوة وقسراً وقهراً من بيوتهم ومدارسهم وجامعاتهم، وحتى من المستشفيات وعنابر الولادة… خرجوا من أجل الحرية والديمقراطية فإذا بهم يواجهون بالطرد من بيوتهم والسحل والقتل والزواج القسري واغتصاب الحرائر وبيعهن في اسواق النخاسة والتجارة بالأعضاء البشرية.
كان هدفهم نيل نعيم الدنيا والتمتع بالاستقرار والكرامة، فإذا بهم يواجهون المقابر الجماعية والهروب للمجهول. لسان حالهم يردد حسرة الآباء ومرارة الفقد، حيث يُقتل الجيل ويُنسى العتاد والعدد ليجد الشعب نفسه يبدأ من جديد رحلة البحث عن الأمان والوجود.
إن المفارقة القاسية التي عاشها ويشهدها السودان تعكس حجم التبدل في المفاهيم وانقلاب المصير؛ فبدلاً من أن تثمر التضحيات رخاءً وحرية، تحول المسعى إلى مواجهة مصيرية من أجل البقاء وتأمين الحياة الأساسية. ويبقى التحدي الأكبر هو القدرة على النهوض مجدداً وإعادة بناء ما دمرته هذه الصدمات غير المتوقعة.
الدروس المفيدة
إن تأمل هذه المفارقات المؤلمة والتحولات القاسية لا يهدف إلى استدعاء الحسرة والأسى والندم فحسب، بل الاستفادة منها لاستخلاص دروس وعبر تشكل جدار حماية للوعي الجمعي في المستقبل:
أولاً: الأمان والاستقرار هو أساس كل مطلب. أثبتت التجربة المأساوية في السودان أن فقدان الأمن والسلامة الشخصية والمجتمعية يعطل كافة الغايات الكبرى؛ فلا معنى للسياسة وللحرية ولا قيمة للتنمية أو العيش الكريم في غياب الاستقرار والحد الأدنى من حماية أرواح الناس وأعراضهم.
ثانياً: ضرورة الاقتران بين الوعي السياسي وإدارة التغيير. النفوس الطيبة والثائرة والنوايا الحسنة والأهداف النبيلة لا تكفي وحدها لإحداث التغيير المأمول، بل لا بد من تحصين أي حراك مجتمعي برؤية سياسية واستراتيجية واضحة تقي البلاد من الفوضى والسيناريوهات الكارثية والانزلاق نحو المجهول.
ثالثاً: حماية الكرامة الإنسانية والنسيج الاجتماعي. إن الحروب والأزمات العاتية تستهدف في المقام الأول الإنسان وكرامته وسكينته؛ لذا فإن حماية كرامة الإنسان وتجريم الانتهاكات بكافة أشكالها يجب أن تظل أولوية أخلاقية ووطنية لا تنازل عنها.
رابعاً: الإرادة الجمعية للتعافي والنهوض. رغم عمق الفاجعة وحجم الدمار، فإن استمرار الأمور مرهون بالقدرة على إحياء الأمل وإعادة بناء المؤسسات والمجتمع بالاعتماد على التضامن الصادق والشراكات المثمرة والاستفادة الحقيقية من أخطاء الماضي.

