إيمان.. فرحةٌ تأخرت أربع سنوات فجاءت بحجم العمر
✍️ محمد عثمان الرضي
◆ أربع سنوات من الانتظار كانت كافية لأن تجعل لحظة النجاح أكثر من مجرد نتيجة امتحان.. كانت فرحة عمر، وحكاية صبر، ودموع أبٍ رأى في نجاح ابنته ثمرة سنوات طويلة من الدعاء والانتظار.
◆ في العام 2013 رزقني الله باكورة إنتاجي، ابنتي إيمان محمد عثمان الرضي، فجاءت إلى الدنيا بعد أربع سنوات من الصبر والانتظار، لتكون منذ يومها الأول واحدة من أجمل نعم الله التي أكرمني بها.
◆ واليوم، وأنا أراها تحصد نجاحها، أشعر أن تلك السنوات الأربع لم تكن انتظاراً عابراً، وإنما كانت إعداداً لفرحة تستحق كل ذلك الصبر.
◆ إيمان التي درست بمدارس الجزيرة الخاصة تفوقت في امتحان المرحلة الابتدائية، وأحرزت 264 درجة من مجموع 280 درجة.. نتيجة جعلت الفرح يسكن القلب قبل أن يعلو على الوجوه.
◆ ولعل أجمل ما في هذه الفرحة أنها لم تأتِ منفردة، فقد وقفت خلفها أم عظيمة، الأستاذة وجدان محمد عثمان آدم، التي كانت شريكة حقيقية في صناعة هذا النجاح.
◆ الأستاذة وجدان، خريجة كلية التربية بجامعة القرآن الكريم، تنحدر من قرية الهبيكة بوحدة المسيد الإدارية بمحلية الكاملين بولاية الجزيرة، وهي واحدة من أولئك النساء اللائي يعرفن معنى الرسالة قبل أن يعرفن معنى الوظيفة.
◆ التحقت الأستاذة وجدان بوزارة التربية والتعليم عام 2008، وعملت معلمة، ثم تدرجت في السلم الوظيفي حتى نالت الدرجة الخامسة، لتجمع بين تجربة المعلمة ورسالة الأم.
◆ لكنها حين جلست إلى جوار ابنتها إيمان لم تكن تتعامل معها باعتبارها معلمة فقط، وإنما باعتبارها أماً تريد أن ترى ثمرة تعبها أمام عينيها.
◆ وصلت الليل بالنهار، وسهرت الليالي، ورافقت إيمان في دروسها ومراجعاتها، حتى تحقق الحلم، وارتفع اسمها في قائمة الناجحين.
◆ لذلك، وبعد أن أحمد الله وأشكره على هذه النعمة، أقولها دون تردد: إن جانباً كبيراً من هذا النجاح يعود إلى الأستاذة وجدان، التي تحملت معي رهق الحياة، وتحملت مسؤولية تربية أبنائي في ظل كثرة مشغولياتي وسفرياتي المتعددة خارج السودان.
◆ كانت وجدان دائماً في المكان الذي أحتاجها فيه، وأحياناً في المكان الذي لا أستطيع الوصول إليه. وحين كنت أتنقل بين البلدان والمهام، كانت هي ثابتة في بيتها، ترعى الأبناء وتتابع تفاصيل حياتهم الصغيرة والكبيرة.
◆ إيمان اليوم تفتح باباً جديداً في حياتها، وأنا أستعد من الآن لمعركة أخرى.. عمار سيكون ضمن الطلاب الممتحنين في العام القادم، إن شاء الله. ويبدو أن الأستاذة وجدان أمام موسم جديد من السهر والتعب.. أعانها الله!
◆ ولأن الفرح لا يكتمل إلا بمن يشاركونك إياه، فإن الشكر أجزله لكل من اتصل بي أو راسلني أو هاتفني أو دعا لنا في ظهر الغيب، مهنئاً بنجاح إيمان ومؤازراً لنا في هذه اللحظة الجميلة.
◆ وأخص بالشكر سفير خادم الحرمين الشريفين السابق، السفير علي بن حسن بن جعفر، الذي هاتفني شخصياً في مقر إقامتي بالعاصمة المصرية القاهرة، مهنئاً بهذا النجاح، فكان لاتصاله وقع خاص في نفسي.
◆ كما لا يفوتني أن أشكر سفير السودان بالقاهرة، السفير عماد عدوي، الذي اقتطع من وقته الثمين ليسأل عن الأميرة إيمان وعن أحوالها، ويهنئني بنجاحها. كنت أقرأ في ملامح وجهه فرحة صادقة، وكأن الأمر يتعلق بابنة خرجت من صلبه.
◆ والشكر موصول للزميلة الصحفية الخلوقة رشان أوشي، التي كانت من أوائل المهنئين، وأفردت مساحة خاصة عبر صفحتها في موقع فيسبوك احتفاءً بنجاح إيمان، فكان لمبادرتها وقع جميل في النفس.
◆ أما الزميلان الشقيقان مروان ومنيب السنهوري، فقد ظلا يهنئانني على مدار اليوم، وأفسحا مساحة خاصة عبر منصتهما الإعلامية المقروءة منصة السودان الإلكترونية، وهو موقف لا يُنسى من أهل المهنة والزمالة.
◆ لكن أكثر المشاهد التي هزتني كانت دموع الفرح التي انهمرت من أخي الذي لم تلده أمي، الشاب الرائع محمد راحات، عندما أبلغته بنجاح إيمان. لم يكتفِ بالتهنئة، بل ذهب يوزع الحلوى في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً في منطقة فيصل المكتظة بالسودانيين، وكأن النجاح نجاحه والفرحة فرحته.
◆ هكذا تكون الفرحة حين تتجاوز صاحبها.. وهكذا يكون النجاح حين يتحول من شهادة ودرجات إلى محبة تسكن قلوب الآخرين. إيمان لم تحصل فقط على 264 درجة من 280، بل حصلت على شيء أكبر بكثير: دعوات أم، وفرحة أب، ومحبة أهل، وتهنئة أصدقاء، وقلوب فرحت لفرحتها.
◆ وفي النهاية، لا أملك أمام هذه النعمة إلا أن أرفع يدي إلى السماء قائلاً: الحمد لله الذي أتم نعمته، والحمد لله الذي أكرمنا بهذه الفرحة. اللهم احفظ إيمان، ووفقها في دراستها وحياتها، واجعل نجاحها بداية لنجاحات أكبر، وأعن أمها وجدان على عمار ومن يأتي بعده.
◆ إيمان.. يا باكورة إنتاجي، ويا ثمرة أربعة أعوام من الانتظار.. اليوم لم تنجحي وحدك، بل نجح معكِ صبر أمك، ودعاء أبيك، وفرحة كل من أحبنا وأحبكِ.

