السودان القادم… أفكار من أجل اقتصاد النهضة
الحلقة الثامنة عشرة..
الجامعة لم تعد تضمن الوظيفة… فهل نُعدّ أبناءنا لعصرٍ جديد من العمل؟
بقلم بروفيسور طارق محمد الرشيد
أستاذ الاقتصاد القياسي
هناك خبر قادم من بريطانيا يستحق أن نتوقف عنده، ليس لأنه يتعلق ببريطانيا فقط، بل لأنه يحمل رسالة إلى كل دولة تفكر في مستقبل شبابها…. فقد هبط عدد الوظائف المعلنة للخريجين في بريطانيا خلال يوليو 2026 إلى 8,383 وظيفة فقط، مقارنة بـ15,397 وظيفة في الشهر نفسه من العام السابق، بانخفاض يقارب 45%، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 2016. كما ارتفعت المنافسة إلى نحو 2.14 باحث عن عمل لكل وظيفة…لكن الرقم الأكثر إثارة للتساؤل أن وظائف الخريجين كانت تتجاوز 55 ألف وظيفة في 2017…فماذا يحدث؟
هل أصبح التعليم الجامعي أقل أهمية؟
أم أن سوق العمل نفسه يتغير؟
الشهادة لم تعد تذكرة الدخول الوحيدة
لسنوات طويلة، كان المسار يبدو واضحًا:
مدرسة → جامعة → شهادة → وظيفة.
لكن هذا المسار يتغير بسرعة….لم تعد الشركات تبحث فقط عن شخص يحمل شهادة جامعية، وإنما عن شخص يستطيع حل مشكلة، استخدام التكنولوجيا، تحليل البيانات التواصل، الإبداع، والعمل مع الآخرين.
والذكاء الاصطناعي يزيد سرعة هذا التحول.
فبعض المهام الروتينية التي كانت تُعطى للموظف المبتدئ أصبحت قابلة للأتمتة، بينما أصبحت الشركات أكثر حرصًا على التوظيف في ظل ارتفاع تكاليف العمالة وضعف الثقة الاقتصادية. لكن من المهم ألا نقع في التفسير السهل القائل إن الذكاء الاصطناعي وحده هو الذي أسقط وظائف الخريجين؛ فالبيانات تشير إلى مجموعة عوامل متداخلة…. وهنا تكمن الرسالة الأهم:
المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي يأخذ وظائف الشباب فقط، بل أن طبيعة الوظائف نفسها تتغير…. الخطر الحقيقي ليس الذكاء الاصطناعي… بل عدم الاستعداد له التكنولوجيا ليست عدوًا للشباب….لكن الشاب الذي يتخرج اليوم بمهارات لا يحتاجها سوق الغد قد يجد نفسه أمام مشكلة حقيقية.
وهذا يضع الجامعات أمام سؤال صعب:
هل نُخرّج طلابًا للحصول على شهادات… أم نُخرجهم للحياة والعمل؟
الفرق كبير…فالجامعة التي تكتفي بتدريس المعرفة القديمة قد تمنح الطالب شهادة، لكنها لا تمنحه بالضرورة قدرة تنافسية…أما الجامعة الحديثة فيجب أن تعلم الطالب:
كيف يتعلم؟
كيف يبحث؟
كيف يستخدم البيانات؟
كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي؟
كيف يحول المعرفة إلى مشروع؟
كيف يعمل ضمن فريق؟
وكيف يخلق قيمة يمكن أن يدفع السوق مقابلها؟
السودان أمام فرصة لا أمام مشكلة فقط
قد يبدو الحديث عن بريطانيا بعيدًا عن السودان….لكنه في الحقيقة قريب جدًا.
لأن السودان يدخل مرحلة يحتاج فيها إلى إعادة بناء اقتصاده وسوق العمل في الوقت نفسه…وهذه فرصة تاريخية…فبدل أن نعيد بناء سوق العمل القديم، يمكن أن نبني سوق عمل جديدًا.
بدل أن نسأل:
أين سنوظف كل الخريجين؟
يجب أن نسأل:
كيف نجعل الخريج قادرًا على خلق قيمة وفرصة لنفسه ولغيره؟
وهنا يصبح التعليم جزءًا من استراتيجية النهضة الاقتصادية.
من طالب ينتظر الوظيفة… إلى إنسان يصنع القيمة….السودان القادم يحتاج إلى تغيير ثقافة كاملة….ليس معنى ذلك أن نطلب من كل خريج أن يصبح رائد أعمال….لكن يجب أن ننتقل من ثقافة:”أين الوظيفة؟”
إلى ثقافة:”ما القيمة التي أستطيع أن أقدمها؟”
قد يعمل الخريج في شركة…. وقد يؤسس مشروعًا… وقد يعمل عن بُعد مع مؤسسة خارج السودان… وقد يقدم خدمة رقمية…
وقد يحول بحثه الجامعي إلى منتج… وقد يعمل في الزراعة باستخدام التكنولوجيا…
وقد يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاج…. المهم أن يتحول التعليم من نهاية الطريق إلى بداية القدرة على الإنتاج… وهنا يبدأ اقتصاد النهضة… السودان لا يحتاج فقط إلى جامعات أكثر… بل يحتاج إلى جامعات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد…. نحتاج إلى أن تلتقي الجامعة بالمصنع…. والجامعة بالمزرعة والجامعة بالمستشفى…. والجامعة بالشركات.
والجامعة بالمجتمع…
وأن تتحول مشروعات التخرج من ملفات توضع على الرفوف إلى حلول حقيقية لمشكلات حقيقية… نحتاج إلى خريج يستطيع أن يقول:
“هذه المشكلة أستطيع أن أحلها.”
بدل أن يقول فقط:”هذه شهادتي.”
الذكاء الاصطناعي قد يختصر الطريق للسودان
وهنا المفارقة… الدول المتقدمة تواجه الآن مشكلة انتقال سوق العمل إلى عصر الذكاء الاصطناعي…. أما السودان، الذي يحتاج أصلًا إلى إعادة بناء كثير من مؤسساته وقطاعات إنتاجه، فيستطيع أن يقفز فوق بعض مراحل التطور التقليدي إذا أحسن استخدام التكنولوجيا…. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التعليم… والزراعة… والصحة… والخدمات الحكومية…. والتحليل الاقتصادي.
والتمويل…. والتجارة…. وإدارة المشروعات.
لكن بشرط واحد:
أن نستخدم التكنولوجيا لرفع قدرة الإنسان، لا لإلغاء الإنسان…. لا نريد خريجًا يخاف من المستقبل… نريد خريجًا مستعدًا له…
فالوظيفة التي يعرفها الطالب اليوم قد تتغير غدًا، والمهارة التي يتعلمها اليوم قد تحتاج إلى تطوير مستمر…. ولهذا فإن أعظم مهارة في القرن الحادي والعشرين قد لا تكون مهارة محددة فقط، بل:القدرة على التعلم المستمر.
فالذي يعرف كيف يتعلم، يستطيع أن يتكيف.
والذي يستطيع أن يتكيف، يستطيع أن ينافس.
والذي يستطيع أن ينافس، يستطيع أن يصنع فرصة…. السودان القادم يجب أن يبدأ من هنا
إذا أردنا اقتصادًا منتجًا، فلا يكفي أن نبني المصانع…. نحتاج إلى من يديرها… وإذا أردنا اقتصادًا رقميًا، نحتاج إلى من يصممه…
وإذا أردنا زراعة حديثة، نحتاج إلى مهندس ومبرمج واقتصادي ومزارع يعملون معًا…
وإذا أردنا صناعة تنافسية، نحتاج إلى إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والانضباط… ولهذا فإن معركة السودان القادمة ليست فقط معركة إعادة بناء الحجر… بل معركة بناء مهارات الإنسان…. فالطريق إلى النهضة لا يبدأ عندما يحصل الخريج على الوظيفة… بل يبدأ عندما يصبح الخريج قادرًا على صناعة القيمة أينما وجد نفسه… والدرس الذي يأتينا من سوق العمل البريطاني واضح:
العالم لا ينتظر الشهادات… العالم ينتظر المهارات والقيمة والقدرة على الإنجاز.
ومن هنا يجب أن يكون سؤال السودان القادم:
هل نُعد أبناءنا لوظائف الماضي… أم نُعدهم لصناعة اقتصاد المستقبل؟
إذا اخترنا المستقبل، فإن الجامعة لن تكون مجرد مكان للحصول على الشهادة… ستصبح مصنعًا للإنسان الذي يبني السودان القادم.
وهنا تبدأ النهضة…
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

