الذهب يعود إلى قلب النظام النقدي العالمي.. ومفارقات الانتاج في السودان
– المشكلة في السودان .. في أين يذهب انتاج الذهب ؟
– المشكلة الأساسية في قطاع الذهب السوداني: الفجوة بين الإنتاج الفعلي، والإنتاج المسجل، والذهب الذي يدخل القنوات الرسمية للتصدير.
– السودان ينتج عشرات الأطنان من الذهب، لكنه لا يحصل على القيمة الاقتصادية الكاملة لهذا الإنتاج.
– الدولة لا تسيطر على السلسلة الاقتصادية للذهب بالقدر الكافي.
– ماذا لو أصبح الذهب احتياطيًا وليس مجرد سلعة تصديرية؟النقطة التي تستحق أن تكون محور النقاش الاقتصادي في السودان
– الذهب يمكن أن يكون أحد أهم الأصول الاستراتيجية للاقتصاد السوداني.
– تقارير دولية : أكثر من نصف الذهب المنتج يخرج عبر قنوات غير رسمية.
الدوحةً حسن ابوعرفات
لم يعد الذهب مجرد معدن ثمين أو سلعة للتحوط الاستثماري، بل عاد بصورة متزايدة إلى موقعه كأحد الأصول الاستراتيجية في إدارة الاحتياطيات الدولية. فالبنوك المركزية والمؤسسات الرسمية تواصل زيادة تعرضها للذهب، رغم أن وتيرة الشراء أصبحت أكثر تذبذبًا.
في النصف الأول من 2026، بلغ إجمالي مشتريات البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية نحو 345 طنًا، وفق البيانات التي أعاد مجلس الذهب العالمي تقديرها، وهو أدنى مستوى للنصف الأول منذ 2022. لكن الصورة تغيرت بصورة لافتة بين الربعين: فقد بلغ صافي مشتريات الربع الثاني نحو 289 طنًا، وهو مستوى قياسي لهذا الربع، بعد أن أعيد تقدير مشتريات الربع الأول إلى نحو 57 طنًا فقط.
وهذه المفارقة مهمة؛ فهي تعني أن التباطؤ في بداية العام لا يمثل بالضرورة نهاية موجة شراء الذهب من جانب البنوك المركزية.
لماذا تشتري البنوك المركزية الذهب؟
السبب الأساسي هو تنويع الاحتياطيات.
البنك المركزي الذي يحتفظ بالدولار أو سندات الخزانة الأمريكية يمتلك أصلًا ماليًا مرتبطًا بالاقتصاد والسياسة النقدية للولايات المتحدة. أما الذهب فهو أصل لا يمثل دينًا على دولة أخرى.
ولهذا أصبحت اعتبارات مثل:
* التوترات الجيوسياسية.
* العقوبات وتجميد الأصول.
* مخاطر العملات.
* التضخم.
* تنويع الاحتياطيات.
* القلق بشأن الاعتماد المفرط على عملة احتياطية واحدة.
عوامل تدفع البنوك المركزية إلى زيادة وزن الذهب.
والدليل الأقوى أن 89% من البنوك المركزية التي شملها مسح مجلس الذهب العالمي تتوقع ارتفاع حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما تتوقع 45% زيادة حيازاتها هي نفسها.
وهذه إشارة أقوى من مجرد أرقام الشراء الشهرية.
السودان: المفارقة الكبرى
هنا يصبح الخبر العالمي أكثر أهمية بالنسبة للسودان.
السودان يمتلك واحدة من أكبر الثروات الذهبية غير المستغلة بصورة كاملة في القارة الأفريقية.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ إنتاج السودان نحو 64.4 طنًا في 2024، منها نحو 53 طنًا من التعدين التقليدي ونحو 11 طنًا من شركات الامتياز.
وفي 2025 ارتفع الإنتاج الرسمي المعلن إلى نحو 70.15 طنًا. لكن هذه الأرقام لا تشمل بصورة كاملة الإنتاج في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، وبالتالي فإن الإنتاج الفعلي قد يكون أعلى.
أما مجلس الذهب العالمي فيقدر إنتاج السودان لعام 2025 بنحو 74.6 طنًا، وهو اختلاف يوضح مشكلة أساسية في قطاع الذهب السوداني: الفجوة بين الإنتاج الفعلي، والإنتاج المسجل، والذهب الذي يدخل القنوات الرسمية للتصدير.
المشكلة ليست في الذهب.. بل في أين يذهب الذهب وقيمته الفعلية التي تدخل خزينة الدولة
هذه هي القضية الاقتصادية الأكثر أهمية.
السودان ينتج عشرات الأطنان من الذهب، لكنه لا يحصل على القيمة الاقتصادية الكاملة لهذا الإنتاج.
فبيانات بنك السودان المركزي تشير إلى أن الذهب الذي جرى تصديره عبر القنوات الرسمية خلال 2025 بلغ نحو 14.7 طنًا فقط، بقيمة تقارب 1.536 مليار دولار، في حين أن الإنتاج المعلن كان يتجاوز 70 طنًا.
أي أن الفارق بين الإنتاج والتصدير الرسمي كبير جدًا.
وهذا لا يعني بالضرورة أن كل الفرق تهريب بالمعنى المباشر؛ فهناك مخزون، وتجارة محلية، وتكرير، وحركة عبر الحدود، وإنتاج في مناطق لا تخضع بالكامل للسلطة المركزية. لكن حجم الفجوة يكشف بوضوح أن الدولة لا تسيطر على السلسلة الاقتصادية للذهب بالقدر الكافي.
وهنا تكمن الخسارة الحقيقية.
ماذا لو أصبح الذهب احتياطيًا وليس مجرد سلعة تصديرية؟
هذه هي النقطة التي أعتقد أنها تستحق أن تكون محور النقاش الاقتصادي في السودان.
هناك فرق هائل بين أن يقول السودان:
“ننتج الذهب ونصدره للحصول على الدولار.”
وبين أن يقول:
“ننتج الذهب، وننظم إنتاجه، ونكرره محليًا، ونحتفظ بجزء منه كاحتياطي، ونستخدمه لتعزيز المركز المالي للبنك المركزي.”
النموذج الثاني أكثر استراتيجية.
فإذا استطاع السودان مثلًا أن ينتج 70 طنًا سنويًا بصورة رسمية، فإن كل طن يعادل نحو 32,150 أونصة.
وبالتالي:
70 طنًا ≈ 2.25 مليون أونصة ذهب.
وعند سعر 4,400 دولار للأونصة، فإن القيمة النظرية للإنتاج السنوي تبلغ نحو:
9.9 مليار دولار.
وهذا رقم ضخم بالنسبة لاقتصاد يعاني من شح العملات الأجنبية.
وحتى لو احتفظ البنك المركزي بجزء محدود من الإنتاج، فإن ذلك يمكن أن يضيف أصلًا حقيقيًا إلى الاحتياطيات.
احتياطي السودان المحتمل أكبر من ذلك بكثير
توجد تقديرات سودانية حديثة تشير إلى أن الاحتياطيات الجيولوجية الفعلية للذهب قد تتجاوز 2,000 طن مع توسع عمليات الاستكشاف والمسوح الجيولوجية الحديثة. وهذه ليست كمية مؤكدة بالكامل حتى الآن، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديرًا استكشافيًا وليس احتياطيًا مثبتًا وفق المعايير الدولية.
لو ثبتت هذه الكمية مستقبلًا، فإنها تعني:
2,000 طن × 32,150 أونصة × 4,400 دولار ≈ 282 مليار دولار.
وهذا يوضح لماذا لا ينبغي النظر إلى الذهب السوداني باعتباره مجرد قطاع تعدين.
إنه يمكن أن يكون أحد أهم الأصول الاستراتيجية للاقتصاد السوداني.
لكن هناك خطر كبير
ارتفاع أهمية الذهب عالميًا يمكن أن يكون فرصة للسودان، لكنه يمكن أيضًا أن يتحول إلى لعنة.
فالحرب جعلت الذهب مصدرًا مهمًا لتمويل الاقتصاد الموازي وشبكات الصراع، كما أن نسبة كبيرة من الذهب السوداني لا تمر بالقنوات الرسمية. وقد أشارت تقارير دولية إلى أن أكثر من نصف الذهب المنتج قد يخرج عبر قنوات غير رسمية.
ولهذا فإن إصلاح قطاع الذهب يجب ألا يبدأ من المنجم فقط، وإنما من المنجم إلى البنك المركزي:
التعدين → التجميع → التكرير → التسعير → التصدير → دخول حصيلة الصادر → الاحتياطي النقدي والذهبي.
إذا انقطعت السلسلة في أي مرحلة، تخسر الدولة جزءًا كبيرًا من القيمة.
المفارقة السودانية
العالم يتجه إلى زيادة أهمية الذهب في الاحتياطيات.
والسودان يمتلك الذهب.
لكن السودان يعاني من نقص العملات الأجنبية.
إذن السؤال المنطقي ليس:
هل السودان لديه ذهب؟
بل:
لماذا لا يتحول الذهب السوداني بالقدر الكافي إلى احتياطيات وعملة أجنبية واستقرار نقدي؟
وهذه في تقديري هي القضية التي يجب أن يناقشها صانع السياسة الاقتصادية السوداني


