المشروع الاستراتيجي المتكامل … من زراعة الأعلاف إلى تصدير اللحوم
بقلم مستشار: احمد حسن الفادني
في ظل الظروف الراهنة تاتي الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الاقتصاد السوداني على قاعدة الإنتاج الحقيقي تبرز حقيقة المشروعات التي تقوم على تكامل سلاسل القيمة باعتبارها من أهم الأدوات القادرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة. ومن بين هذه المشروعات المشروع الاستراتيجي المتكامل بالولاية الشمالية و التابع لمجموعة تنمية الصادرات والذي يقوم على منظومة إنتاجية مترابطة تبدأ من زراعة الأعلاف، مرورا بتربية وتسمين الثروة الحيوانية وتحسين السلالات وصولا إلى المسالخ وصادر اللحوم.
حيث تكمن أهمية هذا النموذج الاستراتيجي في أنه لا يتعامل مع الثروة الحيوانية باعتبارها نشاطا منفصلا ولكن ينظر إليها باعتبارها منظومة اقتصادية متكاملة تتفاعل فيها الزراعة والإنتاج الحيواني والتصنيع والخدمات البيطرية والتخزين والتسويق والتصدير فهذا التكامل هو الذي يمنح المشروع قدرته على اضافة قيمة مضافة أكبر وتقليل الفاقد وتحسين جودة المنتج وتعزيز تنافسية اللحوم السودانية في الأسواق الخارجية.
إن المشروع بهذا المفهوم لا يعد استثمار في قطاع الثروة الحيوانية ولكن يمثل نواة لمدينة إنتاجية متخصصة في صناعة اللحوم والمنتجات الحيوانية يمكن أن يصبح نموذج قابل للتوسع والتكرار في مناطق أخرى من السودان.
البداية من الأرض (زراعة الأعلاف كأساس للسلسلة الإنتاجية)
تبدأ السلسلة الإنتاجية في المشروع من زراعة الأعلاف عبر الزراعة المحورية وهي تعتبر نقطة استراتيجية بالغة الأهمية لأن نجاح الإنتاج الحيواني يرتبط بصورة مباشرة بتوفر الغذاء الحيواني من حيث الكمية والجودة والاستقرار والتكلفة، فالاعتماد على الأعلاف المتاحة في السوق يجعل تكلفة الإنتاج الحيواني عرضة للتقلبات بينما يتيح إنتاج الأعلاف داخل المشروع بناء قاعدة غذائية أكثر استقرارا وتحقيق قدر أكبر من التحكم في تكلفة التربية والتسمين.
كما أن التخطيط الزراعي للأعلاف يمكن أن يتم وفق الاحتياجات الفعلية للقطيع بما يضمن توفير تركيبات غذائية متوازنة تتناسب مع مراحل النمو المختلفة من التربية وحتى التسمين النهائي ويمكن أن يتيح فرصة كبيرة لصادر الاعلاف للفائض منها.
وهنا تظهر أولى حلقات التكامل( الأرض تنتج العلف، والعلف يغذي الحيوان، والحيوان يتحول إلى منتج ذي قيمة اقتصادية مرتفعة) ،وهذا النموذج يحقق ميزة إضافية تتمثل في إمكانية الاستفادة من المخلفات الزراعية وتحويلها إلى مكونات علفية بما يدعم الاقتصاد الدائري ويقلل الهدر في الموارد.
تربية الثروة الحيوانية…الانتقال من الرعي إلى الإنتاج المنظم
وهي تعد الحلقة الثانية في المنظومة هي تربية الثروة الحيوانية وفق نظام إنتاج حديث ومنظم كما هو معمول به في المشروع الاستراتيجي.
فالتحول من التربية التقليدية إلى التربية المنظمة يمثل خطوة جوهرية في تطوير قطاع اللحوم السوداني لأن الإنتاج التجاري المستدام يحتاج إلى إدارة دقيقة للتغذية والرعاية البيطرية والتناسل والنمو، حيث يوفر المشروع الاستراتيجي المتكامل بيئة مناسبة لبناء نظام إنتاج يمكن من خلاله متابعة الحيوان منذ دخوله المنظومة الإنتاجية ومعرفة مصدره وسلالته وحالته الصحية ومعدلات نموه وأدائه الإنتاجي، فهذه المنهجية تتيح الانتقال من مفهوم امتلاك الحيوان إلى مفهوم إدارة الحيوان كأصل إنتاجي يخضع لمؤشرات أداء واضحة، و بناء السلسلة التكاملية في المشروع تساهم التربية المنظمة في تقليل معدلات النفوق وتحسين معدلات النمو و التحول ورفع جودة اللحوم وزيادة الكفاءة الاقتصادية للقطيع.
تحسين السلالات…الاستثمار في جودة المنتج قبل إنتاجه:
يمثل تحسين السلالات بالمشروع الاستراتيجي المتكامل إحدى أهم حلقات المشروع لأنه يتعامل مع جودة اللحوم من المنبع، فيرفع الإنتاجية بهدف تحسين الخصائص الوراثية والإنتاجية للقطيع واختيار السلالات والتهجينات المناسبة للبيئة المحلية وطبيعة الإنتاج المستهدف، ويتيح وجود منظومة متكاملة للتربية والتسمين إمكانية إنشاء برنامج طويل الأجل للتحسين الوراثي يعتمد على اختيار الحيوانات ذات الصفات الإنتاجية الأفضل وتطوير الأجيال اللاحقة وفق معايير علمية، حيث تكمن أهمية هذه الحلقة في أنها تؤدي تدريجيا إلى تكوين قطيع ذي مواصفات إنتاجية متجانسة الأمر الذي ينعكس على معدلات النمو، وكفاءة التحول الغذائي وجودة الذبيح ومواصفات اللحوم، وبذلك تصبح وحدة تحسين السلالات جزء لا يتجزأ من استراتيجية المشروع لرفع الإنتاجية وتحسين الجودة فهي وحدة تطويرية لإنتاج مستقبلي مستدام
التسمين…تحويل الإنتاج الحيواني إلى منتج تجاري:
تأتي مرحلة التسمين في المشروع الاستراتيجي المتكامل لتشكل حلقة التحويل الأساسية بين التربية والإنتاج التجاري، ففي هذه المرحلة يتم توجيه الحيوان إلى معدلات نمو وأوزان مستهدفة وفق متطلبات الأسواق مع التحكم في التغذية والرعاية الصحية ومراحل النمو، هنا تأتي أهمية التكامل مع زراعة الأعلاف؛إذ إن امتلاك قاعدة علفية داخل المشروع يسمح بتخطيط عمليات التسمين وفق برامج تغذية محددة ويمنح الإدارة قدرة أكبر على التحكم في التكلفة والجودة، كما يسمح التسمين المنظم بتوحيد مواصفات الحيوانات كمدخلات إلى المسلخ وهو عامل مهم جدا في إنتاج لحوم ذات جودة متجانسة وقابلة للتسويق في الأسواق الخارجية، ومن منظور اقتصادي فإن التسمين يرفع القيمة المضافة للحيوان ويتحول جزءا أكبر من القيمة الاقتصادية إلى داخل سلسلة الإنتاج الوطنية.
المسلخ…نقطة التحول من الثروة الحيوانية إلى صناعة اللحوم:
تمثل المسالخ الحلقة التي تنتقل عندها الثروة الحيوانية من كونها أصل حي إلى منتج غذائي ذي قيمة مضافة، وهنا تكمن إحدى أهم مزايا المشروع الاستراتيجي المتكامل فبدلا من تصدير الحيوانات الحية حيث يقوم المشروع على تطوير منظومة متكاملة لإنتاج اللحوم المذبوحة وفق الاشتراطات الصحية والمواصفات المطلوبة في الأسواق المستهدفة.وتتيح المسالخ الحديثة عمليات الفحص البيطري والذبح الصحي والتجهيز والتقطيع والتعبئة والتبريد بما يحافظ على جودة المنتج ويرفع قدرته التنافسية، كما أن وجود المسلخ بالقرب من مناطق التربية والتسمين يقلل تكاليف النقل والإجهاد الذي تتعرض له الحيوانات ويساعد على المحافظة على جودة الذبيحة، وبالتالي فإن المسلخ يمثل مصنعا للقيمة المضافة في قطاع الثروة الحيوانية.
التبريد والتجهيز…حماية جودة المنتج:
فالمشروع يمتلك منظومة تبريد حديثة وذات إمكانيات وقدرات تشغيلية هائلة وهي المرحلة التي تبدأ بعد الذبح فهذه المرحلة لا تقل أهمية عن المراحل السابقة وهي التبريد والتجهيز والتخزين، من المعروف أن اللحوم منتج سريع التلف وحساس للحرارة ولذلك فإن سلسلة التبريد تمثل عنصر حاسم في المحافظة على الجودة والسلامة الغذائية، حيث يخطط المشروع الاستراتيجي على أن أن تكون مرحلة التبريد هي المرحلة الأولى و التي تشمل ( التبريد الأولي، والتجهيز، والتعبئة، والتخزين المبرد، ثم النقل المبرد إلى الأسواق أو منافذ التصدير فالمرحلة الثانية الدخول في اللحوم المجمدة
و التي عبرها التوسع في الأسواق الخارجية وتمنح المنتج قدرة أكبر على إدارة المسافات والمدة الزمنية اللازمة للوصول إلى المستهلك العالمي حيث يمثل هذا السوق نسبة 80% من الحصة السوقية العالمية.
صادر اللحوم…الوصول إلى الأسواق العالمية:
تمثل صادرات اللحوم الحلقة النهائية في سلسلة القيمة لكنها في الوقت نفسه المقياس الحقيقي لقدرة المشروع الاستراتيجي على تحقيق أهدافه الاقتصادية. لهدف المشروع كما ذكرنا ليس فقط إنتاج حيوان جيد أو ذبيحة جيدة ولكن الوصول بمنتج لحوم سوداني عالي الجودة إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، ويتيح هذا التكامل في المشروع الاستراتيجي بين التربية والتسمين والمسلخ والتبريد إمكانية بناء منتج يحمل مواصفات واضحة يمكن تتبعها من المصدر وحتى التصدير، وهذا يفتح الباب أمام بناء علامة تجارية للحوم السودانية وربطها بمواصفات الجودة والسلامة والتتبع والاعتماد الصحي، كما أن تصدير اللحوم المذبوحة والمجهزة يحقق قيمة مضافة أعلى من تصدير الحيوان الحي و يوفر نشاطا صناعيا وخدميا مصاحبا داخل السودان.
قوة المشروع في التكامل الأفقي و الرأسي وليس في تعدد الوحدات الإنتاجية:
القيمة الاقتصادية الحقيقية للمشروع لا تكمن في وجود زراعة أعلاف وتربية وتسمين ومسالخ وتصدير كل منها على حدا وإنما في العلاقة الاقتصادية التي تربط هذه الوحدات ببعضها، فزراعة الأعلاف توفر المدخل الأساسي للتربية والتسمين، والتربية توفر القطيع، وتحسين السلالات يرفع كفاءة القطيع وجودته، و التسمين يرفع القيمة التجارية للحيوان، و المسلخ يحول الحيوان إلى منتج لحوم ذو قيمة مضافة، والتبريد يحافظ على جودة المنتج، والتصدير يحول المنتج النهائي إلى عائد من النقد الأجنبي.
وهكذا تتشكل سلسلة إنتاجية متصلة بحيث يصبح كل نشاط مدخل للنشاط الذي يليه ويصبح نجاح كل حلقة داعما لنجاح المنظومة بأكملها.
وهذا هو جوهر التكامل الرأسي لسلسلة القيمة الحيوانية.
المشروع كمدينة متخصصة لصناعة اللحوم:
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى المشروع الاستراتيجي المتكامل باعتباره نواة حقيقية لإنشاء مدينة متخصصة لصناعة اللحوم والثروة الحيوانية، فالمدينة المتخصصة لا تقوم فقط على المسالخ ولكن على منظومة كاملة تبدأ من إنتاج الأعلاف، مرورا بالتربية والتحسين الوراثي والتسمين، ثم التصنيع والتجهيز والتخزين والتبريد والنقل والتصدير.
ومع اكتمال هذه المنظومة يمكن أن تنشأ حولها صناعات وخدمات مساندة، مثل الأعلاف المركزة الخدمات البيطرية و الأدوية البيطرية، وصناعة الألبان كما هو موجود بالمشروع الاستراتيجي
وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن تدخل صناعة الجلود ، والاستفادة من مخلفات الذبح و التعبئة والتغليف و النقل المبرد والخدمات اللوجستية الاخرى.
وهذا يعني أن المشروع يمكن أن يتحول الى منطقة صناعية ومركزا الصادر بل إلى أكبر من ذلك إلى مركز اقتصادي متخصص يستقطب استثمارات أخرى ويخلق منظومة أعمال متكاملة حوله.
الأثر على الاقتصاد السوداني:
يحمل هذا النموذج آثارا اقتصادية تتجاوز حدود المشروع تتمثل في الآتي :
1. زيادة القيمة المضافة المحلية من خلال إبقاء مراحل أكبر من سلسلة إنتاج اللحوم داخل السودان.
2. دعم الصادرات وتوفير النقد الأجنبي.
3. تطوير قطاع الثروة الحيوانية من نشاط تقليدي إلى نشاط تجاري وصناعي منظم.
4. توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الزراعة والتربية والخدمات البيطرية والتصنيع والنقل والتسويق والتصدير.
5. الإسهام المجتمعي بتنشيط المجتمعات المحلية و الانتشار لأسواق جديدة، وتحفيز قطاعات اقتصادية أخرى مرتبطة بسلسلة القيمة.
الأثر على المواطن والمربي:
لا تقتصر آثار المشروع على المستثمر والدولة، وإنما تمتد إلى المربي السوداني باعتباره أحد أهم أطراف سلسلة القيمة، فكلما تطورت منظومة الإنتاج والتسويق والتصنيع أصبح المربي أمام سوق أكثر تنظيما ومعايير أكثر وضوحا وفرص أكبر لتسويق إنتاجه.
كما يخطط المشروع التستراتيجي مستقبلا أن يعمل وفق نماذج شراكة مع المنتجين والمربين المحليين بحيث لا تكون منظومة الإنتاج محصورة داخل المشروع وإنما تمتد إلى المجتمع المحيط.
وهذا من شأنه أن يحول المشروع إلى قاطرة لتطوير قطاع الثروة الحيوانية في المنطقة.
لماذا يستحق المشروع الدعم والرعاية الحكومية؟
في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوداني تحتاج الدولة إلى مشروعات يمكن أن تؤدي وظيفة مزدوجة تحقق العائد الاقتصادي للمستثمر وفي الوقت نفسه تحقيق أثر استراتيجي على الاقتصاد الوطني.
فالمشروع الاستراتيجي المتكامل يمتلك هذه الخاصية لأنه يجمع بين الأمن الغذائي وتنمية الثروة الحيوانية والتصنيع، والتشغيل والصادرات والتنمية الإقليمية.
لذلك فإن رعاية الدولة للمشروع ينبغي أن تقوم على مفهوم الشراكة الاستراتيجية من خلال تسهيل الإجراءات وتطوير البنية الأساسية وتحسين شبكات النقل والطاقة والمياه وتيسير الخدمات البيطرية و الاعتمادات الصحية ودعم منظومة التصدير وفتح الأسواق الخارجية.
كما أن المشروع يمكن أن يمثل نموذجا تجريبيا لسياسة وطنية أوسع تستهدف إنشاء مدن إنتاجية متخصصة وفق الميزة النسبية لكل ولاية ومنطقة.
من الثروة الحيوانية الى صناعة اللحوم:
إن المشروع الاستراتيجي المتكامل بالولاية الشمالية يقدم تصور مختلف للتعامل مع الثروة الحيوانية السودانية فهو لا ينظر إلى الحيوان باعتباره سلعة للتصدير ولكن ينظر إليه باعتباره حلقة داخل صناعة متكاملة تبدأ من الأرض وتنتهي بالسوق العالمي، فزراعة الأعلاف تؤسس لقاعدة غذائية مستقرة والتربية تبني القطيع وتحسين السلالات يرفع الإنتاجية والجودة و التسمين يعظم القيمة و المسالخ تضيف التصنيع والتبريد يحافظ على المنتج والتصدير يحقق العائد الاقتصادي والنقد الأجنبي.
وبهذه المنهجية التي يتبعها المشروع يصبح المشروع نموذجا واضحا للانتقال من اقتصاد تصدير الموارد الخام إلى اقتصاد إنتاج القيمة المضافة.
ومن هنا فإن أهمية المشروع لا تتعلق فقط بحجمه أو بمساحته أو بعدد وحداته ولكن بما يحمله من فلسفة اقتصادية يمكن أن تشكل أساسا لنموذج جديد في التنمية السودانية( مدن إنتاجية متخصصة، وسلاسل قيمة متكاملة، واستثمارات يقودها القطاع الخاص وتدعمها الدولة، وإنتاج يتحول إلى صناعة، والصناعة تتحول إلى صادرات، والصادرات تتحول إلى نمو ودخل وفرص عمل) وهذا هو بالضبط النوع من المشروعات الذي يحتاجه السودان في مرحلة إعادة الاعمار مشروعات لا تكتفي باستغلال الموارد ولكن تعيد تنظيمها داخل منظومات إنتاجية قادرة على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
(فلتمضي قدما مجموعة تنمية الصادرات)

