الاقتصاد السوداني أمام أزمة الجنيه والدولار: هل هي حرب أم سياسات أم انهيار في بنية الاقتصاد!؟
السفير.د.معاوية البخاري
قراءة في الجذور الحقيقية للأزمة الاقتصادية المتفاقمة وسبل الخروج منها!؟
لم يعد التراجع المتسارع في قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار مجرد مؤشر اقتصادي عابر أو مشكلة تخص سوق النقد الأجنبي وحده، بل أصبح تعبيراً مكثفاً عن أزمة اقتصادية كلية عميقة تراكمت عناصرها خلال سنوات طويلة، ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتفجّرها بصورة غير مسبوقة.
إن تجاوز الدولار في السوق الموازية في الفترة الأخيرة حاجز الستة آلاف جنيه، بحسب التداولات المتداولة في السوق، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد ارتفاع في سعر عملة أجنبية، وإنما باعتباره مؤشراً على اختلال العلاقة بين الاقتصاد الحقيقي والنظام النقدي والسياسات العامة والثقة في مؤسسات الدولة. أي أنها أزمة اقتصاد كلي مركّبة اجتمعت فيها صدمة الحرب مع ضعف البنية الإنتاجية، وانكماش موارد الدولة، واختلال سوق النقد الأجنبي، وتراجع الثقة في العملة الوطنية، وضعف أدوات الإدارة الاقتصادية.والسؤال المركزي هنا ليس: من المسؤول وحده عن انهيار الجنيه؟
فالحقيقة أن الأزمة أكبر من أن تُفسَّر بعامل واحد. إنها، في جوهرها، حصيلة تفاعل الحرب مع تراكمات اقتصادية قديمة، وضعف الإنتاج، وتراجع الصادرات، وعجز المالية العامة، وندرة النقد الأجنبي، واتساع الاقتصاد الموازي، والمضاربات، وتراجع الثقة في العملة الوطنية، وضعف القدرة المؤسسية على إدارة أزمة اقتصادية استثنائية.
أولاً: الحرب هي العامل الأكبر، لكنها ليست التفسير الوحيد
لا شك أن الحرب تمثل الصدمة الأعنف التي تعرض لها الاقتصاد السوداني في تاريخه الحديث. فقد أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الاقتصادية، وتعطيل المؤسسات والمصانع والأسواق، ونزوح ملايين المواطنين، وتراجع النشاط الزراعي والصناعي والخدمي، فضلاً عن استنزاف الموارد العامة في تمويل المجهود الحربي.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى انكماش اقتصادي حاد في عامي الحرب الأولين، مع انهيار جانب كبير من القدرة الإنتاجية وتعطل الخدمات والزراعة وسلاسل الإمداد. كما أدى الصراع إلى تراجع إيرادات الدولة إلى مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
ولكن السؤال المشروع هو: إذا كانت الحرب هي السبب الرئيسي، فلماذا لم يشهد الجنيه في السنة الأولى والثانية من الحرب الانهيار نفسه الذي نشهده الآن؟
الإجابة تكمن في أن الاقتصادات لا تنهار دائماً لحظة وقوع الصدمة. ففي كثير من الأحيان تستطيع الدولة والمجتمع والأسواق استهلاك الاحتياطيات والموارد المتاحة وتحويل الأصول وتغيير مسارات التجارة، بما يؤخر ظهور الأزمة النقدية الكاملة.
بمعنى آخر، فإن السنوات الأولى من الحرب ربما استهلكت ما يمكن تسميته بـ المخزون الاقتصادي المتراكم قبل الانهيار.
كان هناك مخزون من السلع، واحتياطات لدى القطاع الخاص، وقدرة على تحويل التجارة إلى مناطق أكثر أمناً، وتحويلات خارجية، وإنتاج زراعي في بعض المناطق، وتكيف اجتماعي وتجاري مع الحرب، رغم اتساع رقعة تداعياتها بسرعة.
لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات، بدأت هذه القدرة على الاحتمال تنفد.وهنا انتقل السودان من مرحلة صدمة الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة هي استنزاف القدرة الاقتصادية على امتصاص الحرب. وهذا هو أحد أهم الفروق بين ما كان يحدث في العام الأول للحرب وما يحدث اليوم.
ثانياً: الأزمة الحقيقية هي أزمة ندرة في الدولار قبل أن تكون أزمة ارتفاع في سعره
الدولار لا يرتفع في السودان لمجرد وجود مضاربين.المضاربون يستطيعون تسريع الأزمة، لكنهم لا يستطيعون وحدهم خلق طلب دائم على الدولار إذا كان الاقتصاد ينتج بصورة كافية ويصدر بصورة كافية ويملك احتياطيات من النقد الأجنبي.المشكلة الأساسية هي أن الطلب على الدولار أصبح أكبر بكثير من المعروض منه.
السودان يحتاج إلى العملات الأجنبية من أجل:
• استيراد الغذاء والدواء والوقود والآليات.
• شراء مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي.
• تمويل النقل والتجارة.
• توفير احتياجات القطاعات الحيوية.
• تغطية الالتزامات الخارجية.
• تمويل جانب من احتياجات الحرب.
• إعادة تأهيل البنية التحتية.
• تلبية الطلب المتزايد على السلع مع عودة السكان إلى مناطق استعادتها الدولة.
وفي المقابل، فإن مصادر الحصول على الدولار تعرضت لضغوط كبيرة. فالصادرات تراجعت أو تعطلت في قطاعات عديدة، والإنتاج الزراعي والصناعي لم يعد في مستواه الطبيعي، كما أن الاقتصاد فقد أجزاء مهمة من قدرته على جذب الاستثمار الخارجي والتمويل الدولي.
وتشير تقارير حديثة إلى أن ضعف حصيلة الصادرات والمعالجات الإجرائية لها، واتساع العجز الخارجي، واستمرار الطلب المرتفع على النقد الأجنبي، كانت من العوامل الرئيسية وراء التراجع الحاد للجنيه، مع بقاء احتياطيات النقد الأجنبي في مستويات حرجة للغاية. إذن فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس:كيف نمنع الناس من شراء الدولار؟بل:كيف نزيد كمية الدولار التي تدخل إلى الاقتصاد بصورة مستدامة؟وهنا تقع نقطة الضعف الأساسية.
ثالثاً: أزمة الإنتاج هي في قلب الأزمة النقدية
لا توجد سياسة نقدية في العالم تستطيع حماية عملة وطنية بصورة مستدامة إذا كان الاقتصاد لا ينتج ما يكفي. فكلما انخفض الإنتاج، زادت الحاجة إلى الاستيراد. وكلما زاد الاستيراد، زاد الطلب على الدولار. وكلما زاد الطلب على الدولار في ظل محدودية عرضه، انخفضت قيمة العملة الوطنية. إنها دائرة اقتصادية واضحة:
تراجع الإنتاج → زيادة الاستيراد → زيادة الطلب على الدولار → انخفاض الجنيه → ارتفاع تكلفة الإنتاج → تراجع الإنتاج من جديد. وهذه الدائرة أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه السودان.
لقد تأثر القطاع الزراعي والحيواني بالنزوح وانعدام الأمن ونقص التمويل والمدخلات وصعوبة النقل والتسويق. كما تعرض القطاع الصناعي لضربات كبيرة نتيجة تدمير المصانع وتعطل الطاقة ونقص التمويل وصعوبة الحصول على المواد الخام. والنتيجة أن الاقتصاد أصبح أكثر اعتماداً على الأسواق الخارجية في وقت أصبحت فيه قدرته على توفير الدولار أضعف.
ومن هنا فإن كبح الدولار لا يبدأ فقط من البنك المركزي، بل يبدأ أيضاً من:
المشروع الزراعي، والمصنع، وميناء التصدير، ومنجم الذهب، وسلسلة القيمة الإنتاجية.
رابعاً: هل المؤسسات الاقتصادية قادرة على إدارة الأزمة؟
هنا نصل إلى أحد أكثر الأسئلة حساسية.
فالأزمة السودانية اليوم ليست أزمة تقليدية يمكن التعامل معها بأداة واحدة مثل رفع سعر الفائدة أو تغيير سعر الصرف أو منع استيراد بعض السلع. إنها أزمة اقتصاد يعمل في ظروف حرب وانقسام جغرافي ومؤسسي.
وهذا يضع المؤسسات الاقتصادية أمام تحديات غير مسبوقة.لكن المشكلة ليست فقط في حجم الأزمة، وإنما أيضاً في مدى التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية. فالسياسة النقدية لا يمكن أن تعمل بمعزل عن السياسة المالية.
والبنك المركزي لا يستطيع حماية الجنيه إذا كانت المالية العامة تضغط باستمرار على الكتلة النقدية. ووزارة المالية لا تستطيع معالجة العجز وحدها إذا كان الاقتصاد الحقيقي لا ينتج إيرادات كافية. كما أن قرارات الاستيراد والتصدير والجمارك والضرائب والسياسات المصرفية والتحويلات الخارجية لا يمكن أن تعمل كجزر منفصلة. والتجربة تشير إلى أن الإجراءات الجزئية قد تؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية.
فحظر الاستيراد، مثلاً، قد يقلل الطلب على الدولار في المدى القصير، لكنه إذا شمل مدخلات إنتاج أو أدى إلى نقص السلع واحتكارها، فقد يرفع الأسعار ويزيد الضغوط على السوق الموازية. وقد واجهت إجراءات الحظر الواسعة التي اتخذت في عام 2026 انتقادات من مستوردين اعتبروا أنها لم تحقق الاستقرار النقدي المتوقع. المطلوب إذن ليس مجرد إصدار قرارات، وإنما بناء آلية اقتصادية مركزية لإدارة الأزمة.
خامساً: المضاربون وشبكات تجارة العملة عامل مهم، لكنهم ليسوا أصل الأزمة
لا ينبغي التقليل من دور المضاربات وشبكاتها بالداخل والخارج.فعندما يفقد الناس الثقة في استقرار العملة الوطنية، يصبح الدولار نفسه سلعة للاستثمار والمضاربة.
وهنا يتحول الدولار من وسيلة للتجارة إلى:
• مخزن للقيمة.
• وسيلة للتحوط.
• أداة للمضاربة.
• وسيلة لحماية المدخرات.
وكلما انتشرت التوقعات بأن الدولار سيرتفع غداً، يشتريه الناس اليوم.وهذا السلوك نفسه يدفع سعره إلى مزيد من الارتفاع.وهنا تعمل الأسواق أحياناً وفق ما يسمى بـ نبوءة الانهيار الذاتي.
الخوف من ارتفاع الدولار يؤدي إلى شراء الدولار، والشراء يؤدي إلى ارتفاع الدولار، والارتفاع يؤكد الخوف.لكن من الخطأ اختزال الأزمة في التجار والمضاربين على أهميتهم .فالمضارب يعمل داخل بيئة تسمح بالمضاربة. والسؤال الأهم هو:
لماذا أصبحت المضاربة مجدية؟
والإجابة هي: لأن هناك ندرة حقيقية في الدولار، وتراجعاً في الثقة بالجنيه، وفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وضعفاً في تدفق العملات الأجنبية عبر القنوات المصرفية.
أما السودانيون المقيمون في الخارج، ومن بينهم العاملون في دول الخليج، فهم جزء مهم من الاقتصاد الوطني، وينبغي التمييز بين التحويلات المشروعة للأسر والاستثمار والتجارة وبين أي نشاط غير مشروع في سوق العملات خارجيا باتجاه السودان وانعكاساته وهذا يحدث!؟.
المشكلة الاستراتيجية ليست في وجود المغتربين أو التحويلات، وإنما في فشل الاقتصاد الرسمي في جذب الجزء الأكبر من هذه التدفقات عبر قنوات مصرفية موثوقة وجاذبة وتنافسية.كل دولار يدخل عبر السوق الموازي هو دولار فقده الجهاز المصرفي.
سادساً: الذهب السوداني… المورد الكبير الذي لم يتحول بالكامل إلى قوة نقدية
يمتلك السودان مورداً استراتيجياً هائلاً هو الذهب.لكن السؤال ليس كم ينتج السودان من الذهب فقط، وإنما:كم من عائد هذا الذهب يدخل فعلياً إلى خزينة الاقتصاد الوطني؟
إن تهريب الذهب أو خروجه عبر قنوات لا تمر بالنظام المالي الرسمي يعني أن الاقتصاد يفقد واحداً من أهم مصادر النقد الأجنبي.
وهنا تظهر المفارقة السودانية:
بلد يمتلك الذهب، لكنه يعاني من ندرة الدولار.
والحل ليس في زيادة الإنتاج فقط، وإنما في بناء منظومة متكاملة تشمل:
• ضبط الإنتاج.
• تنظيم الشراء.
• ضمان منافسة السعر المحلي.
• مكافحة التهريب.
• تتبع الصادرات.
• إعادة حصائل الصادر.
• إدخال العائدات إلى النظام المصرفي.
فكل إصلاح لسوق الذهب يمكن أن يصبح في الوقت نفسه إصلاحاً لسوق النقد الأجنبي.
سابعاً: كلفة الحرب أصبحت عاملاً نقدياً مباشراً
الحرب ليست مجرد تكلفة عسكرية.إنها تكلفة نقدية ومالية واقتصادية. فالدولة تحتاج إلى موارد لتمويل الدفاع والأمن والخدمات الطارئة، بينما تتراجع في الوقت نفسه الإيرادات الضريبية والجمركية والإنتاجية. وهنا تنشأ فجوة بين:
ما تحتاج الدولة إلى إنفاقه، وما تستطيع تحصيله من موارد.وفي مثل هذه الظروف، تصبح خيارات التمويل محدودة.وإذا تم تمويل جزء من العجز عبر التوسع النقدي، فإن كمية الجنيهات المتداولة ترتفع في وقت لا يرتفع فيه الإنتاج بالقدر نفسه.فتكون النتيجة مزيداً من التضخم.ومع التضخم، يهرب الأفراد من الاحتفاظ بالجنيه إلى الاحتفاظ بالدولار أو الذهب أو السلع. وبذلك تتحول الأزمة المالية إلى أزمة في سعر الصرف.وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى استمرار الضغوط المرتبطة بالعجز المالي وضعف الإيرادات والحاجة إلى التوسع النقدي، إلى جانب ارتفاع التضخم واستمرار هشاشة القطاع المصرفي.
ثامناً: الأزمة هي أيضاً أزمة ثقة
الاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على الإنتاج والموارد.بل يقوم أيضاً على الثقة.
الثقة في:
• العملة.
• البنوك.
• المؤسسات.
• السياسات.
• المستقبل.
وعندما يعتقد المواطن والتاجر أن الجنيه سيفقد جزءاً كبيراً من قيمته خلال فترة قصيرة، فإنه لا يحتفظ به إلا بالقدر الضروري.وعندما لا يثق المصدر في أن عائداته ستدار بصورة عادلة، يبحث عن قنوات بديلة.وعندما لا يثق المغترب في النظام المصرفي، قد يرسل أمواله عبر السوق غير الرسمي. لذلك فإن استقرار الجنيه لا يتحقق بالقرارات الأمنية وحدها وانما بحزمة تدابير وأدوات متكاملة تاخذ بكل مهدد ومحاصرته.
إنه يحتاج إلى سياسة اقتصادية يمكن تصديقها. أي سياسة يفهمها المواطن، ويعرف أهدافها، ويرى مؤشرات تنفيذها.
تاسعاً: هل الضغوط الخارجية عامل مؤثر؟
نعم، لكنها ليست التفسير الوحيد.
فالحرب أدت إلى تراجع التمويل والاستثمار الخارجي، كما أن السودان يواجه ديوناً ضخمة ومتأخرات تحد من قدرته على الوصول إلى مصادر التمويل الدولية. وتؤكد المؤسسات الدولية أن هشاشة المالية العامة، وضيق قاعدة الادخار، والديون والمتأخرات وعدم الاستقرار السياسي والمؤسسي تحد من قدرة السودان على الحصول على التمويل الخارجي.
كما أن البيئة الدولية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والسلع تؤثر على فاتورة الاستيراد.
لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية الأزمة قد يحجب المشكلة الأساسية.فالدول لا تستطيع التحكم دائماً في البيئة الدولية، لكنها تستطيع تحسين قدرتها الداخلية على مواجهة الصدمات.
وكلما كان الاقتصاد أكثر إنتاجاً وتنويعاً، قلت خطورة الصدمات الخارجية.
عاشراً: ما العامل الأخطر الذي يفسر الأزمة الحالية؟
في تقديري، فإن العامل الأخطر هو التقاء خمس أزمات في وقت واحد:
1. أزمة إنتاج
تراجع القدرة على إنتاج السلع وتصديرها.
2. أزمة نقد أجنبي
ارتفاع الطلب على الدولار مع ضعف مصادره.
3. أزمة مالية
تراجع الإيرادات العامة وارتفاع الالتزامات وكلفة الحرب.
4. أزمة مؤسسات وسياسات
ضعف التنسيق بين أدوات السياسة الاقتصادية والاعتماد أحياناً على حلول جزئية.
5. أزمة ثقة وتوقعات
تحول الدولار إلى ملاذ ضد تراجع الجنيه.
وهذه العوامل تتفاعل مع بعضها البعض.
لذلك لا يمكن حل الأزمة باعتقال تجار العملة فقط.كما لا يمكن حلها بطباعة النقود. ولا بحظر الاستيراد وحده. ولا بتغيير سعر الصرف وحده.
ولا بالرهان على الذهب وحده.
كيف يمكن كبح التدهور؟
الحل يجب أن يكون في برنامج اقتصادي استثنائي، لا في إجراءات متفرقة.
أولاً: تشكيل غرفة قيادة اقتصادية عليا
تضم:
• البنك المركزي.
• وزارة المالية.
• التجارة.
• المعادن.
• الزراعة والثروة الحيوانية.
• الجمارك.
• الجهاز المصرفي.
• الجهات الاقتصادية والأمنية ذات الصلة.
ويجب أن تعمل وفق مؤشرات أسبوعية واضحة:
• حجم النقد الأجنبي.
• حصيلة الصادرات.
• تحويلات العاملين بالخارج.
• حجم الكتلة النقدية.
• أسعار السلع الأساسية.
• سعر الصرف.
• واردات السلع الاستراتيجية.
ثانياً: زيادة عرض الدولار قبل محاولة خفض سعره وذلك عبر:
• استعادة حصائل الصادرات.
• إصلاح تجارة الذهب.
• مكافحة التهريب.
• تحفيز تحويلات السودانيين بالخارج.
• توفير حوافز مصرفية تنافسية.
• دعم الصادرات الزراعية.
• إعادة تشغيل المصانع ذات القدرة السريعة على التصدير.
ثالثاً: حماية الإنتاج
ينبغي أن تكون الأولوية القصوى للزراعة والصناعات الصغيرة والمتوسطة. فكل سلعة محلية تحل محل سلعة مستوردة هي في الحقيقة توفير للدولار. ويجب أن يكون هناك برنامج طوارئ لإنتاج:
• القمح والحبوب.
• الزيوت.
• الأدوية الأساسية.
• مدخلات الغذاء.
• السلع الاستهلاكية الضرورية.
رابعاً: وقف التمويل التضخمي قدر الإمكان
لأن أي توسع نقدي غير مرتبط بزيادة الإنتاج سيعود في النهاية إلى السوق في صورة طلب إضافي على الدولار. ويجب أن يكون ضبط الكتلة النقدية جزءاً أساسياً من أي برنامج لإنقاذ الجنيه.
خامساً: تقليص الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والموازي
كلما كانت الإجراءات المصرفية بطيئة ورسوم التحويل مرتفعة والسعر الرسمي غير واقعي، توسعت السوق الموازية. المطلوب هو جعل النظام الرسمي أكثر جاذبية وأقل تكلفة وأكثر سرعة.
سادساً: سياسة واضحة لإدارة الواردات
ليس الهدف إغلاق الاستيراد.
بل ترتيب الأولويات.
هناك فرق بين:
منع الاستيراد، و إدارة الاستيراد.
فالاقتصاد يحتاج إلى بعض الواردات لكي ينتج.
وحرمان المصنع أو المزارع من مدخلات الإنتاج قد يؤدي في النهاية إلى زيادة الطلب على الدولار بدلاً من تخفيضه.
الخلاصة: لا توجد رصاصة واحدة لإنقاذ الجنيه
الأزمة الاقتصادية السودانية الحالية ليست نتاج الحرب وحدها، رغم أن الحرب الممتدة هي أكبر محفزاتها.وليست نتاج المضاربين وحدهم، رغم دورهم الواضح في تسريع التدهور. وليست مجرد فشل في المؤسسات، رغم أن ضعف الإدارة الاقتصادية يزيد الأزمة. إنها أزمة تراكمية متعددة الطبقات. لقد اجتمعت فيها:
الحرب، وتراجع الإنتاج، وانخفاض الصادرات، وندرة الدولار، وعجز المالية العامة، والتضخم، والمضاربة، وتهريب الموارد، وضعف الثقة، وانقسام الأسواق، والضغوط الخارجية.
لكن أهم درس اقتصادي يجب أن تستوعبه الدولة هو أن:الدولار لا يُهزم بالقرارات وحدها، وإنما بالإنتاج والثقة والانضباط المالي وتدفق الموارد عبر الاقتصاد الرسمي.
والسؤال الحقيقي ليس كيف نخفض سعر الدولار ليوم أو أسبوع. السؤال هو:
كيف نعيد بناء اقتصاد ينتج من العملة الأجنبية أكثر مما يستهلك؟
عندها فقط يصبح استقرار الجنيه نتيجة طبيعية لقوة الاقتصاد، لا نتيجة مؤقتة لإجراءات استثنائية. فالسودان لا يحتاج فقط إلى سياسة للدولار. إنه يحتاج إلى سياسة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني نفسه.
وما لم تنتقل إدارة الأزمة من معالجة سعر الصرف إلى معالجة أسباب الطلب على الدولار وأسباب ضعف الجنيه، فإن أي تحسن سيظل مؤقتاً، وستبقى السوق تنتظر الصدمة التالية.
فإنقاذ الجنيه يبدأ من إنقاذ الإنتاج، وإنقاذ الإنتاج يبدأ من استعادة الدولة لقدرتها على إدارة الاقتصاد في زمن الحرب والاستعداد لاقتصاد ما بعد الحرب. لذلك أرى أن :
«استقرار الجنيه ليس معركة ضد الدولار، بل معركة لاستعادة الإنتاج، وضبط المالية، وحماية الموارد، وإعادة الثقة؛ فالعملة لا تستمد قوتها من القرارات التي تحرسها، وإنما من الاقتصاد الذي يقف خلفها.»
——————
مطلع سبتمبر ٢٠٢٦ م

