الأهرام……150 عاماً من الحبر الذي لم يجف
كتب محمد عثمان الرضي
◆ ثمة أماكن لا تدخلها بقدميك وحدهما، وإنما تدخلها بذاكرتك ووجدانك ومؤسسة الأهرام المصرية واحدة من تلك الأماكن. فما إن تعبر أبوابها حتى تشعر أنك لا تزور مبنىً صحفياً فحسب، بل تدخل إلى مساحة واسعة من تاريخ الصحافة المصرية والعربية، حيث تتجاور ذاكرة الماضي مع إيقاع الحاضر.
◆ في العاصمة المصرية القاهرة، نظم مركز عنقرة للخدمات الصحفية والإعلامية، بالتعاون مع معهد الأهرام للصحافة، دورة تدريبية استمرت خمسة أيام، شارك فيها خمسة عشر متدرباً، كان غالبيتهم من المنتسبين إلى جمعية الهلال الأحمر السوداني.
◆ جاءت الدورة في إطار مهني متكامل، جمعت بين المادة العلمية والتجارب العملية والخبرات المتراكمة في مجالات العمل الصحفي والإعلامي، بما يمنح المشاركين فرصة للاستفادة من المعرفة الأكاديمية ومن خبرة الممارسين في آن واحد.
◆ وتحمل هذه الدورة الرقم السادس ضمن سلسلة الدورات التي نظمها مركز عنقرة للخدمات الصحفية والإعلامية بالتعاون مع معهد الأهرام للصحافة، في مجالات متعددة، بما يعكس أهمية التعاون المهني في تطوير قدرات الصحفيين والإعلاميين وفتح نوافذ جديدة أمامهم.
◆ وكان لي شرف المشاركة في هذه الدورة بدعوة خاصة من الصحفي القدير جمال عنقرة، مالك ومؤسس مركز عنقرة للخدمات الصحفية والإعلامية. وقد كانت الدعوة بالنسبة لي فرصة تتجاوز حدود المشاركة في برنامج تدريبي، إلى تجربة إنسانية ومهنية داخل واحدة من المؤسسات التي صنعت جانباً مهماً من تاريخ الصحافة العربية.
◆ فالزائر للأهرام لا يحتاج إلى كثير من الوقت حتى يدرك أن للمكان ذاكرة خاصة. الممرات والمكاتب والصور والمقتنيات ليست مجرد تفاصيل معمارية أو مقتنيات قديمة، وإنما شواهد على أجيال من الصحفيين والكتاب الذين تركوا بصماتهم في صفحات المؤسسة وفي الذاكرة العامة.
◆ وقد أثار إعجابي أن مؤسسة الأهرام لم تكتفِ بصناعة تاريخها، بل حرصت على الاحتفاظ بجزء كبير منه داخل مبانيها. فالمتحف يضم مكاتب ومقتنيات مرتبطة بعدد من كبار الكتاب ورؤساء التحرير الذين تعاقبوا على قيادة الصحيفة، لتظل سيرتهم حاضرة أمام الأجيال الجديدة.
◆ وكان من أبرز تلك اللحظات بالنسبة لي وقوفي بجوار مكتب الصحفي المصري الراحل محمد حسنين هيكل والتقاط صورة تذكارية هناك. وهيكل أحد الأسماء البارزة في تاريخ الصحافة المصرية، وقد تولى رئاسة تحرير الأهرام ومديرها العام، كما ارتبط بعلاقة وثيقة بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وكان مستشاراً صحفياً له.
◆ وقوفك أمام مكتب هيكل لا يجعلك تفكر في الرجل وحده، وإنما في مرحلة كاملة من تاريخ مصر والمنطقة. فالمكاتب القديمة في المؤسسات الكبرى ليست أثاثاً صامتاً فحسب أحياناً تكون شاهداً على قرارات وأفكار وكتابات تجاوز تأثيرها حدود أصحابها.
◆ وتكتمل صورة الذاكرة الصحفية في الأهرام من خلال الأرشيف البصري الممتد على جدران المؤسسة، حيث تتجاور صور عدد كبير من الصحفيين والكتاب الذين تعاقبوا على صفحاتها منذ تأسيسها وحتى اليوم. إنها ذاكرة أجيال، تختصر في وجوهها رحلة طويلة من التحولات التي شهدتها الصحافة.
◆ لكن الأهرام لا تنظر إلى الماضي وحده ففي صالة التحرير الحديثة يبدو المشهد مختلفاً تماماً. صحفيون يعملون أمام شاشاتهم، ومواد تخضع للتحرير والمراجعة، وأخبار تتدفق بوتيرة العصر، في صورة تؤكد أن المؤسسة العريقة تستطيع أن تحتفظ بذاكرتها دون أن تتوقف عندها.
◆ وهذه المفارقة بين القديم والجديد كانت من أكثر ما لفت انتباهي. مكاتب تاريخية وأدوات تنتمي إلى زمن سابق، تقابلها تقنيات حديثة وأساليب عمل صحفي معاصرة؛ وكأن المكان يختصر رحلة الصحافة نفسها من الورق والكاميرا التقليدية إلى الشاشة والمنصات الرقمية.
◆ وفي معرض الصور الفوتوغرافية ومعامل التصوير داخل المؤسسة، تظهر بوضوح تلك الرحلة التقنية. كاميرات وأدوات استخدمت في مراحل مختلفة من تاريخ الصحافة، وهي مقتنيات تمنح الزائر فرصة للتأمل في التحول الكبير الذي طرأ على صناعة الصورة الصحفية.
◆ وقفت أمام تلك الكاميرات القديمة متأملاً المسافة التي قطعتها المهنة خلال عقود طويلة. ففي زمن كانت الصورة تحتاج إلى أدوات وإجراءات معقدة حتى تصل إلى الصحيفة، أصبحت اليوم تلتقط وتنقل وتنشر في لحظات؛ غير أن قيمة الصورة الصحفية ظلت مرتبطة بقدرتها على توثيق اللحظة وحفظها في ذاكرة الناس.
◆ ومن هنا بدا لي أن تاريخ الأهرام ليس تاريخ صحيفة فقط، وإنما تاريخ للتحولات التي مرت بها الصحافة نفسها. تغيرت الأدوات، وتبدلت الوسائل، وتسارعت التكنولوجيا، لكن جوهر المهنة ظل قائماً: البحث عن الخبر، والتحقق منه، وصياغته بمهنية، وتقديمه للقارئ بمسؤولية.
◆ كانت هذه زيارتي الأولى لمباني صحيفة الأهرام، ولذلك تركت في نفسي أثراً خاصاً. دخلت إليها متدرباً ضمن دورة صحفية، لكنني وجدت نفسي أمام تجربة أوسع من قاعة المحاضرات؛ تجربة تمنح الصحفي فرصة للنظر إلى المهنة من زاوية التاريخ والممارسة معاً.
◆ ولعل أجمل ما في التجربة أنني رأيت كيف يمكن للمؤسسة أن تحفظ ذاكرتها دون أن تتحول إلى متحف مغلق على الماضي. فالتاريخ حاضر في الصور والمكاتب والمقتنيات، بينما الحياة المهنية مستمرة في صالات التحرير، وهذا التوازن هو أحد مظاهر قوة المؤسسات العريقة.
◆ أما التعاون بين مركز عنقرة للخدمات الصحفية والإعلامية ومعهد الأهرام للصحافة، فيمثل نموذجاً مهماً للشراكات التي يمكن أن تسهم في نقل المعرفة والخبرة وتطوير القدرات المهنية. فالإعلام في حاجة دائمة إلى التدريب، والصحفي في حاجة مستمرة إلى التعلم، مهما امتدت سنوات تجربته.
◆ وحين غادرت مبنى الأهرام، بقيت في ذهني صورة المكان أكثر من تفاصيل الدورة نفسها. بقيت الوجوه المعلقة على الجدران، ومكتب هيكل، والكاميرات القديمة، وصالة التحرير الحديثةأربعة مشاهد تختصر قصة مؤسسة استطاعت أن تعبر الزمن دون أن تفقد حضورها.
◆ ولذلك، فإن عبارة “150 عاماً من الحبر الذي لم يجف” ليست مجرد عنوان إنها خلاصة رحلة طويلة تؤكد أن الصحافة الحقيقية لا تُقاس بعمر الورق، وإنما بما تتركه من أثر. قد تتغير المطابع، وتتبدل الكاميرات، وتتحول الصحيفة من الورق إلى الشاشة، لكن الكلمة الصادقة تظل قادرة على البقاء. وفي الأهرام أدركت أن الحبر قد يجف فوق الصفحة، لكنه لا يجف في ذاكرة الناس؛ فهناك، تحديداً، تبدأ الحياة الثانية للكلمة.

