عمر عثمان النمير.. حين يرحل رجلٌ فتشهد له البلاد بمآثره
بقلم: محمد التوم الشبلي
ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ عرفتَه لأعوام طويلة، وامتدت بينك وبينه صلات المودة والوفاء قرابة العقدين، ثم وجدت نفسك مضطراً لأن تكتب عنه في مقام الرثاء. فبعض الرجال لا تختصرهم سيرة، ولا تستوعب مآثرهم كلمات، ولا يفيهم النعي حقهم؛ لأن حضورهم في حياة الناس كان أكبر من أن يُحاصر في سطور.
برحيل المهندس عمر عثمان النمير، فقد السودان واحداً من أبنائه الذين جمعوا بين عقل رجل الأعمال، وقلب المحسن، وغيرة المواطن، وهمة الرياضي، وروح الإنسان الذي كان يرى في قضاء حوائج الناس مسؤولية لا منّة.
عرفتُ عمر النمير على مدى ما يقارب عشرين عاماً، وعرفت فيه الإنسان قبل رجل الأعمال، والصديق قبل الاسم اللامع، والرجل المتواضع قبل صاحب المكانة. وما زادتني السنوات التي جمعتنا إلا يقيناً بأن هذا الرجل كان صادقاً في مشاعره، واضحاً في مواقفه، بعيداً عن التكلف، كثير البذل، شديد الحرص على أن يبذل جهده وماله ووقته في سبيل ما يراه خيراً للناس.
كان من أولئك الذين لا يحتاجون إلى كثير حديث عن أنفسهم؛ إذ كانت أفعالهم أبلغ من أقوالهم. وإذا ذُكر عمر النمير، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ذلك الإنسان الذي كان يفتح بابه وقلبه لكل من قصده، ويسعى في حاجات الناس دون أن ينتظر مقابلاً أو ثناءً.
وقد كشفت المحنة السودانية معدن الرجل، كما تكشف الشدائد معادن الرجال.
ففي المواقف الوطنية الكبرى، كان عمر عثمان النمير حاضراً بما يستطيع، وبما يراه واجباً عليه تجاه وطنه. ولعل من أبرز تلك المواقف ما أشار إليه السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان من إسهامه في توفير طائرة للجيش السوداني، في موقفٍ يعكس ما كان يختزنه الرجل من إحساس بالمسؤولية الوطنية، وإدراك بأن الوطن في أوقات المحن لا يحتاج إلى الكلمات وحدها، وإنما إلى المواقف.
ولم تكن تلك المواقف منفصلة عن شخصيته؛ فقد كان يرى أن المال أمانة، وأن القدرة على العطاء مسؤولية، وأن رجل الأعمال لا ينبغي أن يعيش بمعزل عن قضايا وطنه ومجتمعه.
ومن أجمل ما قيل في حقه كلمات رئيس هيئة الأركان الفريق أول الركن ياسر العطا، الذي ظل دائم السؤال عنه والاطمئنان على حاله خلال فترة مرضه. وهي شهادة ذات دلالة، لأنها تأتي من رجل عرف النمير في ساحات المسؤولية الوطنية، كما عرفه إنساناً يستحق السؤال والوفاء.
أما في باب البر والإحسان، فإن الحديث عن عمر النمير يطول.
فقد أقام عشرات التكايا التي فتحت أبوابها للناس في أيام الشدة والمسغبة، حين أصبح الحصول على وجبة الطعام حلماً لكثير من الأسر بسبب الحرب اللعينة. ولم يتوقف الأمر عند إطعام الجائعين، بل تحولت بعض هذه المبادرات إلى وجبات مدرسية تستهدف الطلاب الفقراء، حتى لا يكون الجوع سبباً في انقطاع طفل عن مقعد الدراسة.
وهنا تتجلى عظمة الفكرة: أن تتحول الصدقة من سد حاجة عابرة إلى مشروع يحفظ للإنسان كرامته، ويعين طفلاً على مواصلة تعليمه، ويمنح أسرةً مثقلة بالحرب شيئاً من الطمأنينة.
كان النمير يؤمن بأن الخير لا يحتاج إلى ضجيج، ولذلك ترك وراءه أعمالاً كثيرة يعرفها أصحاب الحاجة أكثر مما يعرفها الإعلام، ويشهد عليها الذين امتدت إليهم يداه في صمت.
وفي الرياضة، كان له حضور لا تخطئه الذاكرة، ولا سيما في علاقته بنادي المريخ الذي تولي رئاسته. وقد ارتبط بمواقف ودعم وإسهامات تجاه الرياضة والرياضيين، انطلاقاً من إيمانه بأن الرياضة ليست ترفاً، وإنما مساحة لبناء الشباب، وترسيخ الانتماء، وصناعة الأمل.
ولم يكن بعيداً عن دنيا التجارة والمال والأعمال؛ فقد كان واحداً من رجال الأعمال الذين ساهموا في حركة الاقتصاد الوطني، وخاض في ميادين العمل والإنتاج والاستثمار، مؤمناً بأن خدمة الوطن لا تكون بالعطاء الاجتماعي وحده، وإنما كذلك ببناء النشاط الاقتصادي، وخلق الفرص، وتحريك عجلة العمل.
غير أن أجمل ما في سيرة عمر عثمان النمير، في تقديري، أن هذه الدوائر كلها ــ الوطن، والاقتصاد، والرياضة، والعمل الخيري ــ لم تكن جزرًا منفصلة في شخصيته؛ بل كانت تجتمع كلها عند معنى واحد: الإنسان.
وهذا هو عمر الذي عرفته.
رجلٌ كنت أجد فيه الإنسان قبل كل شيء؛ أجد فيه التواضع الذي لا تصنعه الشهرة، والصدق الذي لا يحتاج إلى تزويق، والوفاء الذي تظهر قيمته في المواقف، والرغبة الدائمة في بذل الجهد من أجل الآخرين.
ولذلك فإن رحيله لم يكن خبراً عابراً. لقد كان سيل النعي الذي فاضت به الأسافير، والطوفان البشري الذي شهدته مراسم التشييع والعزاء، تعبيراً صادقاً عن حجم المحبة التي تركها الرجل في نفوس الناس. فالناس لا تجتمع بهذا الحب حول اسمٍ لمجرد المال أو الشهرة؛ وإنما تجتمع حول أثرٍ تركه صاحبه في حياتها.
وحين يمضي الإنسان، يبقى أثره شاهداً عليه.
وقد ترك عمر النمير أثراً في الاقتصاد، وفي الرياضة، وفي العمل الوطني، وفي موائد الفقراء، وفي قلوب أصدقاء عرفوه عن قرب، وفي نفوس أناس ربما لم يعرفوا اسمه كما عرفوا يده التي امتدت إليهم بالخير.
وإذا كان المرض قد أرهق جسده في أيامه الأخيرة، فإن عزاءنا أن يكون ما أصابه كفارةً ورفعةً له، وأن يكون صبره على المرض ذخراً له عند الله، وأن يعوّضه الله عن شبابه الذي انقضى في ميادين العمل والعطاء بجنةٍ عرضها السماوات والأرض.
رحم الله أخي وصديقي المهندس عمر عثمان النمير، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل البر والإحسان الذي بذله في الدنيا نوراً له في قبره، وجعل كل جائع أطعمَه، وكل محتاج أعانه، وكل طالبٍ أسهم في إطعامه وتعليمه، وكل موقفٍ وقفَه من أجل وطنه، وكل خيرٍ صنعه، شاهداً له لا عليه.
اللهم اجعل مرضه كفارة، واجعل ما أصابه رفعةً في درجاته، وعوّض شبابه الجنة، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة.
وعزائي العميق إلى أسرته الكريمة، وإلى أهله ومحبيه، وإلى عموم السادة الكوارتة، وإلى رفاقه وأصدقائه وزملائه في مجالات الاقتصاد والرياضة والعمل العام والخير والإحسان.
رحل عمر النمير، ولكن الرجال الذين عاشوا للناس لا يرحلون تماماً؛ إذ تظل سيرتهم حاضرةً في الذاكرة، وتظل أياديهم البيضاء ممتدةً في حياة من أحسنوا إليهم.
رحم الله عمر عثمان النمير، فقد كان من الرجال الذين إذا غابوا، عرف الناس مقدار حضورهم.

