برهان يكشف المسكوت عنه.. من صناعة القوة الموازية إلى معركة الدولة
كامل إدريس.. من معركة الحرب إلى معركة بناء الدولة
الخرطوم حسن ابوعرفات
كان لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع الاعلاميين في الخرطوم من أهم اللقاءات التي كشفت جانباً من كواليس صناعة الأزمة السودانية، لأنه لم يتوقف عند توصيف الحرب، وإنما عاد إلى جذورها وتحدث بصراحة عن العلاقة التي نشأت بين نظام الإنقاذ وقوات الدعم السريع.
ومن أخطر ما كشفه البرهان أن قيادة القوات المسلحة طرحت في عهد الرئيس السابق عمر البشير خطة متكاملة لدمج الدعم السريع في الجيش، إلا أنها رُفضت، كما تحدث عن توجه داخل نظام الإنقاذ لتقليص دور القوات المسلحة وجعل الدعم السريع قوة أساسية أو بديلاً عنها.
هذه الإفادات، إذا ما وُضعت في سياقها التاريخي، تفتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف تحولت قوة أنشأتها الدولة إلى قوة عسكرية ضخمة موازية للدولة نفسها؟ وكيف وصلت البلاد إلى لحظة أصبح فيها وجود جيشين أحد أخطر أسباب الانفجار؟
والرسالة الأهم في حديث البرهان كانت للمستقبل: لا مكان للمليشيات داخل الدولة، ولا مكاسب سياسية بالسلاح، ولا عودة للدعم السريع كقوة عسكرية أو سياسية موازية للدولة. كما أكد أن الحوار السوداني–السوداني هو الطريق لمعالجة الأزمة، وأن من يريد الوصول إلى الحكم عليه أن يحتكم إلى الشعب عبر الانتخابات، لا إلى قوة السلاح.
أما حديثه عن الأيام الأولى للحرب وخروجه من القيادة العامة، وعن صمود الجيش والمواطنين، فقد قدم رواية مباشرة من رأس القيادة العسكرية حول واحدة من أكثر مراحل الحرب غموضاً. كما أشاد بدور الإعلاميين في الداخل والخارج في نقل الحقائق وكشف ما يجري للسودانيين وللعالم.
: قيمة لقاء البرهان خلال ملتقي الإعلاميين بالخرطوم ليست فقط فيما كشفه عن الماضي، وإنما فيما حمله من إجابة على سؤال المستقبل: السودان لا يمكن أن يُبنى بجيشين، ولا بمليشيات، ولا بحكم البندقية. الطريق، مهما طال، يجب أن ينتهي إلى دولة واحدة، جيش وطني واحد، مؤسسات قوية، وحكم يستمد شرعيته من الشعب.
وهذه هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها الإعلام السوداني الآن: توثيق الماضي، كشف الحقائق، وحماية وعي الأجيال حتى لا تتكرر صناعة المأسي والأزمات والإخفاقات
وفي السياق ذاته، جاء لقاء الإعلاميين مع رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس في اليوم نفسه ليكمل صورة المشهد من الجانب السياسي والتنفيذي؛ فقد ركز على ما بعد الحرب، مؤكداً تمسك الحكومة بالسلام العادل والشامل، والحوار السوداني–السوداني الذي لا يستثني أحداً، وصولاً إلى توافق سياسي ودستوري يفضي إلى التحول الديمقراطي والانتخابات. كما تحدث عن إعادة الإعمار، وتحسين الوضع الاقتصادي، وإصلاح الخدمة المدنية ومحاربة الفساد، مؤكداً التزام الحكومة بتنفيذ مخرجات ملتقى الإعلاميين.
واللافت في حديث كامل إدريس أنه وضع الإعلام في قلب مشروع التعافي الوطني، داعياً إلى إعلام مهني مسؤول يقدم المعلومة الدقيقة والصورة الحقيقية، ويقوم في الوقت نفسه بدور الرقابة والتقويم لأداء الحكومة. وبذلك بدا لقاء البرهان ولقاء رئيس الوزراء وكأنهما حلقتان في رسالة واحدة: حسم معركة الدولة والسيادة، ثم الانتقال إلى معركة السلام والإعمار وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة

