السودان القادم… أفكار من أجل اقتصاد النهضة… الحلقة الثالثة والعشرون :
السودان لا تنقصه المشكلات… بل تنقصه شركات تحوّل المشكلات إلى ثروة…..
بقلم بروفيسور طارق محمد الرشيد
استاذ الاقتصاد القياسي
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
جامعه امدرمان الاسلاميه
هناك مفارقة غريبة في الاقتصاد السوداني.
نحن نقول دائمًا:لدينا مشكلات كثيرة…الكهرباء مشكلة… النقل مشكلة… التخزين مشكلة… المياه مشكلة… التمويل مشكلة…الزراعة مشكلة… التسويق مشكلة… البطالة مشكلة… الخدمات مشكلة… لكن ماذا لو قلبنا طريقة التفكير؟.. ماذا لو قلنا:.. كل مشكلة في السودان يمكن أن تكون سوقًا اقتصادية إذا وجدنا من يستطيع حلها؟.. هنا تبدأ فكرة مختلفة تمامًا عن اقتصاد النهضة… فبدل أن ننظر إلى المشكلة باعتبارها عبئًا على الدولة والمجتمع، يمكن أن ننظر إليها باعتبارها طلبًا اقتصاديًا لم يجد من يلبيه بعد… فالمواطن الذي يعاني من مشكلة هو، في النهاية، شخص يحتاج إلى خدمة… والمزارع الذي لا يجد وسيلة تخزين يحتاج إلى خدمة تخزين… والمنتج الذي لا يجد وسيلة نقل يحتاج إلى خدمة لوجستية… والتاجر الذي لا يستطيع الوصول إلى التمويل يحتاج إلى خدمة مالية..
والشركة التي لا تستطيع إدارة بياناتها تحتاج إلى خدمة تقنية… والطالب الذي لا يجد تدريبًا عمليًا يحتاج إلى سوق للتدريب… والأسرة التي تعاني من ارتفاع تكلفة الكهرباء تحتاج إلى حلول طاقة أكثر كفاءة… المشكلة موجودة… والسوق موجود… فما الذي ينقص؟
ينقص الإنسان الذي يقول:. سأحلها.
وهنا يجب أن يتغير مفهوم ريادة الأعمال في السودان… ريادة الأعمال ليست أن نفتح مطعمًا جديدًا كلما فكرنا في مشروع.. وليست أن نبحث عن مشروع ناجح في بلد آخر وننسخه… ريادة الأعمال الحقيقية تبدأ بسؤال بسيط:ما المشكلة التي يعاني منها الناس كل يوم؟.. ثم:هل أستطيع حلها بطريقة أفضل وأرخص وأسرع؟.. إذا كانت الإجابة نعم…
فقد وجدت مشروعك… تخيل شابًا يرى أن المزارعين يخسرون جزءًا من إنتاجهم بسبب ضعف التخزين… بدل أن يقول:الزراعة مشكلة…. يمكن أن يقول:سأبني خدمة تخزين صغيرة متنقلة بالقرب من مناطق الإنتاج…
وتخيل آخر يرى أن أصحاب المشروعات الصغيرة يجدون صعوبة في الوصول إلى المعلومات والأسواق… بدل أن يقول:السوق فوضوي… يمكن أن يقول:سأبني منصة تربط المنتج بالمشتري… وتخيل مهندسًا يرى مشكلة الكهرباء… بدل أن يقول:الكهرباء أزمة… يمكن أن يقول:كيف أبني شركة تقدم حلولًا للطاقة الشمسية للمزارع والمصانع والمحال؟.. هنا يحدث التحول… من الشكوى إلى السوق… ومن المشكلة إلى المنتج… ومن البطالة إلى المشروع… ومن المستهلك إلى المنتج… ومن الأزمة إلى فرصة… وهذه ليست فلسفة مثالية… فالاقتصاد السوداني اليوم يعاني من تضرر شديد في البنية الإنتاجية والخدمات، بينما تشير الاستراتيجيات الحديثة إلى أن بقاء ودعم الشركات الصغيرة والمزارعين والتجار والمصنعين يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من مسار التعافي… لكننا بحاجة إلى خطوة أبعد… نحن لا نريد فقط أن يكون هناك رائد أعمال… نريد أن يصبح حل المشكلات ثقافة اقتصادية… في المدرسة، نريد أن يتعلم الطالب أن يسأل:ما المشكلة؟…لماذا تحدث؟.. كم تكلف المجتمع؟.. هل يمكن حلها؟.. وفي الجامعة، نريد أن يتحول مشروع التخرج من مجرد ورقة توضع على الرف إلى:منتج… أو تطبيق… أو شركة… أو خدمة…وفي البنك، يجب أن يكون السؤال:ليس فقط:هل لديك ضمانات؟.. بل أيضًا:هل لديك فكرة تحل مشكلة حقيقية ولها سوق؟..وفي الدولة، يجب أن يكون السؤال:ليس فقط:كم أنفقنا؟.. بل:كم مشكلة حللنا؟..هذه النقلة قد تبدو بسيطة، لكنها يمكن أن تغير الاقتصاد كله…لأننا إذا نظرنا إلى السودان بهذه الطريقة، سنكتشف شيئًا مذهلًا:لدينا ملايين المشكلات… وبالتالي لدينا ملايين الفرص المحتملة… المشكلة في النقل يمكن أن تنتج شركات لوجستية… المشكلة في التخزين يمكن أن تنتج شركات مستودعات وتبريد… المشكلة في الزراعة يمكن أن تنتج شركات تقنيات زراعية… المشكلة في التسويق يمكن أن تنتج منصات رقمية… المشكلة في التعليم يمكن أن تنتج شركات تعليم إلكتروني…المشكلة في الصحة يمكن أن تنتج حلولًا للرعاية الصحية عن بُعد… المشكلة في المدفوعات يمكن أن تنتج خدمات مالية رقمية… المشكلة في الطاقة يمكن أن تنتج سوقًا واسعًا للطاقة الشمسية وكفاءة الطاقة…والمشكلة في البطالة يمكن أن تصبح سوقًا للتدريب المهني وربط المهارات بأصحاب الأعمال… حتى مشكلة المعلومات نفسها يمكن أن تصبح مشروعًا… من يعرف أين يوجد المنتج، ومن يحتاج إليه، وبأي سعر، وفي أي وقت… يمتلك معلومة لها قيمة اقتصادية…وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي بقوة… يمكن أن يساعد في تحليل الأسعار… وتوقع الطلب…….وتحديد أفضل الأسواق…وتحسين سلاسل الإمداد… وتحليل بيانات المزارعين…وتطوير الخدمات المالية… وتقليل تكلفة الأعمال… وهكذا لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد تكنولوجيا حديثة يتحدث عنها الناس…بل يصبح أداة لحل مشكلات سودانية حقيقية…وهذه نقطة جوهرية… نحن لا نحتاج إلى استيراد التكنولوجيا لمجرد أنها جديدة… نحتاج إلى استخدامها عندما تجيب عن سؤال:ما المشكلة التي ستحلها؟
فإذا لم تحل مشكلة، فهي مجرد تقنية… أما إذا خفضت تكلفة، أو رفعت إنتاجية، أو وفرت وقتًا، أو فتحت سوقًا، أو خلقت وظيفة…فقد أصبحت رأس مال اقتصاديًا… وهنا يمكن أن يولد نموذج جديد في السودان:..
اقتصاد الحلول… اقتصاد لا ينتظر أن تختفي المشكلات حتى يبدأ… بل يبدأ من المشكلات نفسها… ولا يرى المواطن الفقير مجرد مستهلك يحتاج إلى المساعدة… بل يرى فيه أيضًا عميلًا يحتاج إلى خدمة مناسبة السعر.
ولا يرى الشباب العاطلين مجرد أرقام في إحصاءات البطالة… بل يراهم طاقة يمكن تدريبها وربطها بمشكلات السوق… ولا يرى الدولة مجرد ممول… بل يرى فيها شريكًا يضع القواعد، ويفتح البيانات، ويشتري الخدمات بكفاءة، ويخلق البيئة التي تسمح للشركات بالحل والابتكار… وهنا يصبح القطاع الخاص جزءًا من الحل، لا مجرد جهة تبحث عن الربح.
والحقيقة أن الربح نفسه يمكن أن يكون علامة على أنك حللت مشكلة… إذا وفرت خدمة أفضل للمزارع وربحت منها، فقد صنعت قيمة… إذا خفضت تكلفة النقل وربحت، فقد صنعت قيمة… إذا وفرت تدريبًا مهنيًا ووجد الشباب وظائف وربحت، فقد صنعت قيمة.
الربح ليس عدو التنمية عندما يأتي من حل مشكلة حقيقية… بل قد يكون هو الآلية التي تجعل الحل يستمر… وهذه الفكرة مهمة جدًا للسودان… لأن الدولة وحدها لن تستطيع حل كل المشكلات… ولا المساعدات الخارجية تستطيع أن تبني اقتصادًا مستدامًا… ولا القطاع العام يستطيع تشغيل كل الشباب.
ولا إعادة الإعمار يمكن أن تعتمد إلى الأبد على التمويل الخارجي… نحن نحتاج إلى ملايين الحلول الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى اقتصاد كبير…. شركة صغيرة هنا… مزرعة ذكية هناك… منصة رقمية… مصنع صغير.
مركز تدريب… خدمة لوجستية… شركة طاقة.
بروفسير : طارق الرشيد
مشروع تخزين… شركة برمجيات.. .ثم شركة أخرى…ثم ألف شركة…ثم عشرات الآلاف.
النهضة الاقتصادية قد لا تأتي من مشروع واحد ضخم… قد تأتي من ملايين المشروعات التي تحل ملايين المشكلات… وهنا تتغير نظرتنا إلى المستقبل… بدل أن يسأل الشاب:أين الوظيفة؟.. نسأله:ما المشكلة التي تستطيع حلها؟… وبدل أن يسأل الطالب:ماذا سأفعل بالشهادة؟… نسأله:ما القيمة التي تستطيع أن تضيفها؟.. وبدل أن يسأل المستثمر:أين أضع أموالي؟… نسأله:ما المشكلة التي يمكن أن تجعل منها مشروعًا مربحًا؟.. وبدل أن تسأل الحكومة:كيف نزيد الإنفاق؟… نسألها:كيف نصنع بيئة تسمح للناس بحل المشكلات بأنفسهم؟… هذه هي العقلية التي يحتاجها السودان القادم… اقتصاد لا ينتظر الحلول من الخارج… ولا يرى في كل أزمة نهاية… ولا يرى في كل مشكلة عبئًا… بل يرى في كل مشكلة بابًا محتملًا للثروة… وربما يكون أكبر تغيير نحتاجه بعد الحرب ليس فقط إعادة بناء المصانع…بل إعادة بناء طريقة التفكير الاقتصادي… أن يتوقف السوداني عن النظر إلى المشكلة ويقول:الحكومة مسؤولة….
ويبدأ في التفكير:هل أستطيع أن أصنع حلًا؟
عندها ستتغير أشياء كثيرة… لأن الدولة لن تكون مطالبة بأن تفعل كل شيء… والشباب لن يكونوا أسرى انتظار الوظيفة… والمستثمر لن يبحث فقط عن القطاعات التقليدية… والجامعات لن تنتج شهادات فقط… والبنوك لن تمول الأصول فقط… بل سيصبح الاقتصاد كله في حالة بحث دائم عن:
مشكلة → حل → مشروع → وظيفة → دخل → قيمة… وهذه السلسلة الصغيرة يمكن أن تصبح أساس نهضة كاملة… لذلك، عندما ننظر إلى السودان اليوم ونرى كل هذه المشكلات، لا ينبغي أن نسأل فقط:متى ستنتهي مشكلاتنا؟
بل ربما يكون السؤال الأذكى:متى نبدأ بتحويل مشكلاتنا إلى شركات؟فقد تكون الثروة التي يبحث عنها السودان في المناجم…وقد تكون في الأرض…وقد تكون في الموانئ…لكن جزءًا كبيرًا منها قد يكون مختبئًا في مكان آخر تمامًا:داخل المشكلات التي لم يجد أحد حلًا لها بعد… وهنا تبدأ النهضة الحقيقية:عندما يتحول السوداني من شخص يشتكي من المشكلة… إلى شخص يكسب من حلها.
السودان لا تنقصه الفرص…السودان يحتاج فقط إلى من يرى الفرصة داخل المشكلة.

