قمة العلمين.. هل تتشكل نواة منظومة أمن إقليمي جديدة؟
– العلمين ترسم خريطة جديدة لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقية.
– مصر والسودان وإريتريا والصومال.. بداية ترتيبات إقليمية جديدة
الدوحة – حسن أبو عرفات
لا ينبغي قراءة قمة العلمين الرباعية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال باعتبارها مجرد لقاء تشاوري بين أربعة رؤساء، فتركيبة الدول المشاركة، وطبيعة الملفات التي ناقشتها، واللغة التي استخدمها البيان المشترك، تكشف عن ملامح تشاور إقليمي ذي أبعاد سياسية وأمنية واستراتيجية متزايدة.
وتنبع أهمية القمة من أنها جمعت دولًا تتقاطع مصالحها بصورة مباشرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، إضافة إلى ملفات الإرهاب وأمن الحدود ووحدة الدول وسيادتها وحماية الملاحة الدولية.
السودان.. أمن الدولة قبل السياسة
بالنسبة للسودان، فإن أكثر ما يلفت الانتباه هو التأكيد الواضح على دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء كيانات موازية، إلى جانب رفض دعم المرتزقة والدعوة إلى استئناف العملية السياسية بملكية وقيادة سودانية.
وهذه المواقف لا تحمل مضمونًا سياسيًا فقط، بل تحمل أيضًا دلالة أمنية واستراتيجية؛ لأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها يمثل، في نظر الدول المجاورة، جزءًا من حماية الأمن الإقليمي نفسه.
فالسودان ليس دولة معزولة عن محيطها. موقعه على البحر الأحمر، وحدوده مع مصر وإريتريا، وامتداده الجغرافي نحو القرن الأفريقي، يجعله عنصرًا رئيسيًا في معادلة أمن المنطقة. ولذلك فإن أي تفكك للدولة السودانية أو قيام كيانات موازية لن تكون تداعياته داخلية فقط، وإنما يمكن أن تمتد إلى الحدود والبحر الأحمر وحركة التجارة والهجرة والأمن الإقليمي.
البحر الأحمر.. من مسؤولية دولية إلى أولوية للدول المشاطئة
ويكتسب التأكيد على حرية الملاحة وأمن البحر الأحمر أهمية خاصة، خصوصًا في ظل تزايد التنافس الإقليمي والدولي على هذا الممر الحيوي.
فالقول إن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة يحمل رسالة واضحة بأن أمن هذا الممر لا ينبغي أن يُترك بالكامل لترتيبات خارجية، وإنما يتطلب تنسيقًا بين الدول صاحبة المصلحة المباشرة في أمنه واستقراره.
ومن هنا يمكن فهم البعد الأمني في قمة العلمين باعتباره محاولة لبناء منصة تشاور إقليمية تستطيع الدول الأربع من خلالها تنسيق مواقفها تجاه التطورات التي تمس أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
هل نحن أمام تعاون دفاعي؟
البيان لا يعلن إنشاء حلف عسكري أو اتفاق دفاع مشترك، ومن المهم عدم تحميله ما لم ينص عليه.
لكن الملفات المطروحة تفتح الباب أمام تعاون أمني ودفاعي تدريجي، خصوصًا في مجالات مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وحماية الموانئ والممرات البحرية، ودعم مؤسسات الدولة، ومواجهة الجماعات المسلحة والمرتزقة، وتبادل المعلومات والتنسيق بشأن المخاطر المشتركة.
وبالتالي فإن الأهم ليس السؤال عما إذا كانت القمة قد أنشأت تحالفًا عسكريًا، وإنما ما إذا كانت آلية المتابعة التي اتفق عليها القادة ستتطور إلى إطار منتظم للتنسيق الأمني والاستراتيجي
النيل وسد النهضة.. الأمن المائي حاضر بقوة
كما أن حضور ملف سد النهضة ومياه النيل في البيان يؤكد أن الأمن الإقليمي لا يقتصر على الجانب العسكري.
فالتأكيد على مبادئ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق، ورفض الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تضر بالاستخدامات المائية القائمة لدولتي المصب، يعكس إدراكًا بأن الأمن المائي أصبح جزءًا من الأمن القومي والإقليمي.
وهنا تتقاطع مصالح مصر والسودان بصورة مباشرة، بينما يمثل استقرار حوض النيل أحد المكونات الأساسية لاستقرار المنطقة بأكملها.
الصومال والقرن الأفريقي
وفي الملف الصومالي، جاء التأكيد على وحدة وسيادة الصومال ورفض أي إجراءات تمس وحدة أراضيه، إلى جانب دعم مكافحة الإرهاب وتمكين مؤسسات الدولة.
وهذا البعد مهم أيضًا للسودان ومصر وإريتريا، لأن استقرار الصومال يرتبط مباشرة بأمن القرن الأفريقي وخطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد القمة
وربما تكون أهم نقطة في البيان هي الاتفاق على إنشاء آلية لمتابعة مخرجات القمة وعقدها بصورة دورية وكلما دعت الحاجة.
فهنا سيكون الاختبار الحقيقي.
فالقيمة السياسية لأي قمة لا تقاس فقط بما يصدر عنها من بيانات، وإنما بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى آليات عمل ومصالح مشتركة.
وبالنسبة للسودان تحديدًا، فإن المطلوب ألا يتوقف الدعم الإقليمي عند حدود البيانات السياسية، بل أن يتحول إلى برامج عملية في إعادة الإعمار، والاستثمار، والطاقة، والموانئ، والنقل، والزراعة، والتجارة، وربط السودان اقتصاديًا بمحيطه العربي والأفريقي.
من التشاور إلى المصالح المشتركة
قمة العلمين يمكن أن تكون بداية لمسار جديد، إذا نجحت آلية المتابعة في الانتقال من التشاور السياسي إلى التنسيق العملي.
فالملفات الأربعة – السودان، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والنيل – ليست ملفات منفصلة، وإنما دوائر أمنية واقتصادية متداخلة.
ومن هنا يمكن قراءة قمة العلمين باعتبارها محاولة لبناء إطار إقليمي للتشاور والتنسيق بين أربع دول تتقاطع مصالحها الاستراتيجية.
والرسالة الأهم أن أمن السودان ليس شأنًا سودانيًا داخليًا فقط، كما أن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والنيل لا يمكن التعامل معه بمعزل عن استقرار دول المنطقة.
أما القيمة الحقيقية للقمة، فلن تحددها بيانات العلمين، وإنما ما ستفعله آلية المتابعة: هل ستبقى منصة للتشاور، أم تتحول تدريجيًا إلى منظومة للتنسيق الأمني والاقتصادي والمصالح المشتركة
