البنوك المراسلة: هل المشكلة في العلاقات المصرفية أم في القدرة على إثبات جودة الرقابة؟
أسعدعبدالله جبارة – خبير في مجال الالتزام و حوكمة الشركات
لا تُبنى العلاقات مع البنوك المراسلة على الثقة وحدها، ولا تستمر بمجرد وجود اتفاقيات مصرفية أو تاريخ طويل من التعامل، بل تعتمد على قدرة البنك على إثبات فاعلية منظومته الرقابية والتزامه بالمتطلبات ذات الصلة.
وبالنسبة للقطاع المصرفي السوداني، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة والحاجة إلى استعادة الثقة وتعزيز الارتباط بالنظام المالي الدولي.
فالبنوك المراسلة لا تكتفي بوجود سياسات لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو إجراءات اعرف عميلك (KYC)، بل تهتم بجودة بيانات العملاء، وتحديد المستفيد الحقيقي، وفحص العقوبات، ومراقبة المعاملات، وتحليل حالات الاشتباه، وتوثيق القرارات الرقابية.
هناك فرق جوهري بين امتلاك منظومة رقابية والقدرة على إثبات فاعليتها بالأدلة، فالسياسات والأنظمة والتقارير لا تكفي وحدها دون تطبيق فعلي، وبيانات موثوقة، وكفاءات مؤهلة، وآليات، واضحة للمساءلة، والمعالجة.
ومع ذلك، لا تُعزى جميع تحديات العلاقات المصرفية إلى قصور الالتزام، إذ تتأثر أيضاً بشهية البنوك المراسلة للمخاطر، والتكاليف، وطبيعة المعاملات، والبيئة التنظيمية، والتقييمات المرتبطة بالدول والمؤسسات, وهنا تبرز المسؤولية الاستراتيجية لمجالس إدارات البنوك، فالعلاقات المصرفية ليست مجرد ملف تشغيلي، بل عنصر مهم في استدامة البنك وقدرته على الوصول إلى النظام المالي الدولي.
برأي، ينبغي على مجالس الإدارات اعتماد خطط عملية تتضمن تقييماً مستقلاً لفاعلية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومراجعة جودة بيانات العملاء والمستفيدين الحقيقيين، وقياس كفاءة أنظمة مراقبة المعاملات، ومعالجة أوجه القصور وفق جداول زمنية محددة. كما يجب أن تتلقى تقارير دورية توضح المخاطر المتبقية، ومستوى التقدم، والنتائج الفعلية، مع مساءلة الإدارة التنفيذية عن المعالجة.
إن الاستجابة لاستفسارات البنوك المراسلة يجب ألا تقتصر على جمع المستندات وإرسال الإجابات، بل أن تعكس نضج المنظومة الرقابية، ودقة المعلومات، ووضوح المسؤوليات. استعادة العلاقات المصرفية لا تعني بالضرورة استعادة الثقة فالتحدي الحقيقي هو بناء مؤسسات قادرة على كسب هذه الثقة والمحافظة عليها.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه مجالس الإدارات اليوم هل نمتلك منظومة رقابية فعالة، وهل نستطيع إثبات ذلك باستمرار؟

