- تحرير أسعار الوقود في السودان.. ضرورة اقتصادية أم عبء جديد على المواطن؟
بقلم: محمد حمد أبوعول
تتجه الأنظار إلى ما رشح عن دراسة الحكومة السودانية خيار التحرير الكامل أو الجزئي لأسعار الوقود، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، وشح النقد الأجنبي، وتراجع القوة الشرائية للجنيه. ورغم أن الأمر لم يُعلن قراراً نهائياً، فإنه يطرح سؤالاً جوهرياً هو كيف يمكن إصلاح سوق الوقود دون تعميق معاناة المواطن؟
الوقود عنصر أساسي في الاقتصاد فالديزل يحرك شاحنات الغذاء والدواء، والبنزين يؤثر في تكاليف النقل، كما تعتمد الأسر والقطاعات الإنتاجية والخدمية على الوقود لتلبية احتياجاتها وتشغيل معداتها. لذلك، فإن ارتفاع أسعاره ينعكس على تكاليف المعيشة والإنتاج، لا على النقل وحده.
وتزداد الضغوط بسبب اعتماد السودان على استيراد المشتقات النفطية وشح النقد الأجنبي وتقلبات سعر الصرف. ومن ثم، قد يعالج تحرير الأسعار جانباً من مشكلة التسعير، لكنه لا يحل بمفرده أزمة العملة أو الاختلالات الهيكلية للاقتصاد.
يقوم التحرير الكامل على تحديد الأسعار وفق التكلفة الفعلية للاستيراد والنقل والتخزين والتوزيع والضرائب وهوامش التشغيل. وقد يخفف الضغط عن الخزانة العامة، ويحد من فجوة التمويل والتهريب والمضاربة، ويساعد على انتظام الإمداد، إذا اقترن برقابة فعالة ومنافسة حقيقية. لكنه قد ينقل تقلبات الأسواق العالمية وسعر الصرف مباشرة إلى المستهلك، بما يفاقم التضخم ويرفع تكاليف المعيشة والإنتاج، خصوصاً في الزراعة والنقل والمشروعات الصغيرة.
أما التحرير الجزئي والمتدرج، فيتيح تعديل الأسعار على مراحل، ويمنح الأسر والقطاعات الاقتصادية فرصة للتكيف. غير أنه قد يُبقي مشكلات التمويل والإمداد قائمة إذا ظلت الأسعار دون التكلفة الفعلية، كما أن الدعم العام قد لا يصل إلى مستحقيه. وعليه، فإن المفاضلة بين الخيارين لا تتعلق بحجم الزيادة وحده، بل بكيفية توزيع أعباء الإصلاح بين الدولة والمواطن والقطاعات الإنتاجية.
وتكمن المخاطرة الأكبر في أن يتحمل المواطن الزيادة دون تحسن ملموس في حياته. فارتفاع تكاليف النقل والإنتاج يرفع أسعار الغذاء والدواء والاحتياجات اليومية، ويضعف القوة الشرائية للأجور والمعاشات، وقد يدفع الأسر إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والعلاج والتعليم. كما تبرز مخاطر استغلال بعض التجار للزيادات لرفع الأسعار بأكثر من الزيادة الفعلية في التكلفة، دون خفضها عندما تتراجع.
في المقابل، يمكن أن يحقق الإصلاح فوائد إذا أدى إلى انتظام إمدادات الوقود والحد من التهريب، ووجهت الوفورات المالية إلى تحسين الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل العام. أما رفع الأسعار دون معالجة اختناقات الإمداد أو تحسين الخدمات، فلن يحقق إصلاحاً ملموساً، بل سينقل العبء إلى المواطن فحسب.
ويتطلب نجاح أي خيار نشر بيانات واضحة عن تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين والتوزيع، وسعر الصرف والضرائب وهوامش الربح، واعتماد آلية تسعير معلنة تراجع الأسعار دورياً. كما ينبغي تطبيق الزيادات تدريجياً، وتوجيه الحماية إلى الأسر محدودة الدخل وأصحاب الأجور الثابتة، ودعم النقل العام والقطاعات الإنتاجية الأساسية، خاصة الزراعة ونقل السلع، مع مكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار والإعلان عن أوجه استخدام الوفورات المتحققة.
وفي السودان، يرتبط نجاح تحرير أسعار الوقود بقدرته على ضمان الإمداد، والحد من التضخم، وحماية الفئات الضعيفة، ودعم الإنتاج وتحسين الخدمات، إلى جانب تخفيف العبء عن الخزانة العامة. فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يقتصر على نقل الفاتورة من الحكومة إلى المواطن، يتعدي ذلك الي خفض التكلفة الكلية للأزمة وتوزيع أعبائها بعدالة، وربط أي زيادة في الأسعار بنتائج ملموسة تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين.

