قرارات البرهان الاقتصادية تحت الاختبار: هل تنخفض الأسعار أم يرتفع الدولار؟
– السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الصحافة الاقتصادية على المسؤولين:
من أين ستأتي الدولارات لتمويل الواردات الجديدة؟
– من يضمن أن تصل وفورات الإعفاءات إلى جيب المواطن، لا إلى أرباح الوسطاء والمضاربين؟
تقرير وتحليل اقتصادي | حسن أبو عرفات – الدوحة
يمثل توجيه رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بإلغاء قرارات حظر استيراد عدد من السلع، وإعفاء بعض المواد الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية، خطوة مهمة في مواجهة الأزمة المعيشية التي تضغط على المواطنين، لكنها في الوقت نفسه تفتح ملفاً اقتصادياً بالغ الحساسية يتعلق بسوق النقد الأجنبي، وخاصة الدولار، ومدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين توفير السلع الأساسية والمحافظة على استقرار سعر صرف الجنيه السوداني.
فالقرار، رغم أهميته الاجتماعية والاقتصادية، ليس مجرد إجراء جمركي أو تجاري، وإنما تدخل في منظومة مترابطة تشمل الاستيراد والتمويل والمصارف وسعر الصرف وتكاليف النقل والتوزيع والأسواق.
والسؤال الجوهري هنا: هل يؤدي فتح باب الاستيراد وإلغاء الرسوم إلى تخفيف الغلاء، أم أن زيادة الطلب على الدولار قد تلتهم المكاسب المتوقعة وتعيد الأسعار إلى الارتفاع؟
أولاً: القرار بين تخفيف الغلاء وزيادة المعروض
من حيث المبدأ، فإن إعفاء السلع الأساسية، مثل الدقيق والأرز والبقوليات والفول والعدس وزيوت الطعام، من الرسوم الجمركية يمكن أن يسهم في خفض تكلفة الاستيراد، وزيادة المعروض، وتحفيز المنافسة بين المستوردين.
لكن هذه النتائج ليست تلقائية؛ فالسوق السودانية تواجه ظروفاً استثنائية نتيجة الحرب، وتعطل أجزاء من البنية الإنتاجية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع القوة الشرائية.
ولهذا فإن إلغاء الرسوم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار بالنسبة نفسها، لأن التكلفة النهائية للسلعة تتضمن سعر شرائها بالدولار، والشحن والتأمين والتخليص والنقل الداخلي وهوامش أرباح المستوردين وتجار الجملة والتجزئة.
ثانياً: الدولار هو الاختبار الأصعب
تتمثل أبرز المخاطر الاقتصادية للقرار في احتمال زيادة الطلب على النقد الأجنبي لتمويل الواردات الجديدة.
فكلما توسع المستوردون في طلب الدولار، دون أن يقابل ذلك ارتفاع في حصيلة الصادرات أو التحويلات الخارجية أو التمويل المصرفي المتاح، ازدادت الضغوط على سوق الصرف، خصوصاً السوق الموازية.
وقد تنشأ مفارقة اقتصادية خطيرة: تخفض الحكومة الرسوم الجمركية بهدف تخفيض أسعار السلع، بينما يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة استيرادها، فتتآكل الفائدة التي كان يفترض أن يحصل عليها المواطن.
ومن هنا، فإن نجاح القرار مرهون بإدارة الطلب على الدولار بقدر ارتباطه بإلغاء الرسوم الجمركية.
ويحتاج بنك السودان المركزي إلى دور فاعل في تنظيم تمويل الواردات الأساسية، وتوجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات الغذائية والدوائية والإنتاجية، مع تجنب التوسع النقدي غير المنضبط الذي قد يزيد التضخم وضغوط سعر الصرف.
ثالثاً: الجنيه السوداني أمام واقع أكثر خطورة
تزداد أهمية هذه القرارات مع التطورات الأخيرة في سوق النقد. فقد أفادت وكالة رويترز، اليوم 21 أكتوبر 2026، بأن الدولار بلغ نحو 10 آلاف جنيه سوداني في السوق الموازية، مقابل سعر رسمي يقارب 4,200 جنيه، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين السعرين. وأشارت إلى أن الطلب على تمويل الواردات وتراجع الإنتاج والصادرات وتهريب الذهب عوامل أساسية وراء تدهور العملة.
وتوضح هذه التطورات أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالرسوم وحدها، وإنما بأزمة أعمق في موارد النقد الأجنبي والثقة في العملة الوطنية.
ولتوضيح أثر ذلك، نفترض أن مستورداً يجلب سلعة قيمتها 100 دولار، وكانت الرسوم الجمركية عليها 20%، ثم أُلغيت بالكامل.
إذا بقي الدولار عند 8 آلاف جنيه، فإن تكلفة السلعة قبل الشحن والمصاريف الأخرى تنخفض من 960 ألف جنيه إلى 800 ألف جنيه.
أما إذا ارتفع الدولار إلى 10 آلاف جنيه، فإن تكلفة السلعة نفسها تصبح مليون جنيه حتى بعد إلغاء الرسوم.
وهكذا قد يجد المستهلك نفسه أمام سلعة أكثر تكلفة رغم إعفائها جمركياً. وهذا مثال افتراضي يوضح العلاقة، وليس تقديراً للرسوم الفعلية على السلع المشمولة بالقرار.
رابعاً: كيف يطبق القرار عملياً على الأرض؟
لكي ينتقل القرار من التوجيه السياسي إلى الأثر الاقتصادي الملموس، لا بد من برنامج تنفيذي واضح تشارك فيه وزارة المالية ووزارة التجارة وبنك السودان المركزي والجمارك والولايات والقطاع الخاص.
وأقترح أن يرتكز التنفيذ على ست خطوات:
1. إصدار منشور تنفيذي موحد وفوري: يحدد السلع المشمولة بالإعفاء والحظر الملغى، وتاريخ السريان، ومعاملة الشحنات الموجودة بالموانئ، ويمنع فرض رسوم بديلة تفرغ الإعفاء من مضمونه.
2. تنظيم تمويل الواردات: وضع برنامج مصرفي معلن لتمويل السلع الأساسية، وفق الأولويات وحجم الموارد المتاحة، دون اللجوء إلى تمويل تضخمي أو منح امتيازات غير شفافة لمستوردين بعينهم.
3. تخفيض تكاليف الموانئ والنقل: مراجعة رسوم المناولة والتخزين والتخليص، وتسهيل انتقال البضائع من الموانئ إلى أسواق الولايات، لأن التعطيل الإداري قد يبدد الوفورات الجمركية.
4. مراقبة أسعار الجملة والتجزئة: إلزام المستوردين بإظهار التكلفة الفعلية للسلع الجديدة، ومتابعة انتقال التخفيضات عبر حلقات التوزيع، مع مراعاة أن المخزون القديم ربما دخل البلاد بتكاليف مختلفة.
5. منع الاحتكار والتخزين بغرض المضاربة: تفعيل أجهزة حماية المستهلك والمنافسة، ومراقبة المخازن والأسواق الكبرى، دون اللجوء إلى تسعير إداري غير واقعي يؤدي إلى اختفاء السلع.
6. إصدار تقرير أسبوعي للرأي العام: يتضمن حجم الواردات المفرج عنها، وأسعار السلع الأساسية، وتطور الدولار، وتكاليف النقل، والشكاوى والإجراءات التصحيحية.
ومن الضروري أن تتولى جهة تنفيذية واحدة التنسيق بين هذه المؤسسات، لأن تعدد القرارات وتضارب الاختصاصات من أبرز معوقات الإصلاح الاقتصادي.
خامساً: هل سيستفيد المواطن أم المستورد والتاجر؟
هذه القضية تمثل جوهر الاختبار الاجتماعي للقرار.
فقد يحصل المستورد على إعفاء جمركي كبير، لكنه يستمر في بيع السلعة وفق أسعار السوق المرتفعة، دون تمرير الوفر إلى المستهلك. وقد يستفيد تاجر الجملة من زيادة المعروض بينما لا يشعر المواطن بانخفاض حقيقي في أسعار التجزئة.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط إلغاء الرسوم، وإنما مراقبة الفارق بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع النهائي، مع ضمان المنافسة العادلة بين الموردين.
ويمكن للحكومة أن تستفيد من التوجيه السابق لرئيس الوزراء كامل إدريس، الصادر في أغسطس 2026، بشأن تفعيل أسواق البيع المخفض في الولايات، وتحويلها إلى قناة عملية لتوفير السلع بأسعار تنافسية، بالتوازي مع الأسواق التجارية المعتادة.
سادساً: كيف نمنع القرار من الإضرار بالإنتاج الوطني؟
فتح الاستيراد ينبغي ألا يتحول إلى سياسة دائمة للاعتماد على الخارج، خاصة في بلد يمتلك السودان فيه إمكانات زراعية وإنتاجية كبيرة.
فاستيراد الغذاء قد يكون ضرورياً لسد النقص العاجل، لكنه إذا استمر دون ضوابط اقتصادية مدروسة فقد يضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
ولهذا يجب التمييز بين السلع التي تعاني نقصاً فعلياً في الأسواق، والسلع التي يمكن توفيرها من الإنتاج الوطني إذا توفرت المدخلات والتمويل والطاقة والنقل.
ومن الأفضل ربط الإجراءات العاجلة بخطة لإنعاش الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية، وتوجيه جزء من موارد النقد الأجنبي لاستيراد المدخلات التي تزيد الإنتاج المحلي بدلاً من تمويل الاستهلاك وحده.
ثامناً: كيف نقيس نجاح القرار خلال أول 90 يوماً؟
لا يكفي الإعلان عن انخفاض الرسوم، بل ينبغي تحديد مؤشرات قابلة للقياس، أهمها:
تغير أسعار الدقيق والأرز والزيوت والبقوليات في أسواق الولايات مقارنة بأسعارها قبل التنفيذ.
حجم الدولار المطلوب والمخصص فعلياً لتمويل الواردات الأساسية.
حركة سعر الصرف والفجوة بين السوق الرسمية والموازية.
عدد الشحنات المفرج عنها ومتوسط زمن التخليص الجمركي.
مدى توافر السلع في الأسواق، وليس فقط في الموانئ والمخازن.
كما ينبغي نشر البيانات بصورة دورية تسمح للمواطن والتاجر والباحث الاقتصادي بالحكم على النتائج بعيداً عن التصريحات الرسمية وحدها.
الخلاصة: القرار يحتاج إلى سياسة اقتصادية متكاملة
إن توجيهات رئيس مجلس السيادة بإلغاء قيود الاستيراد وتخفيف الرسوم على السلع الأساسية تمثل فرصة لتصحيح اختلالات في السياسات التجارية، وتخفيف الأعباء المعيشية، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أزمة الاقتصاد السوداني.
فالخطر الحقيقي أن تتحول وفورات الجمارك إلى طلب إضافي على الدولار، وأن يدفع المواطن ثمن تدهور العملة أكثر مما يستفيد من الإعفاءات.
والأولوية الآن هي التنسيق الحقيقي بين وزارة المالية وبنك السودان المركزي ووزارة التجارة، واستعادة حصائل الصادرات، وتنظيم تجارة الذهب، وتشجيع تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية بأسعار وآليات تنافسية، مع تنشيط الإنتاج الوطني.
إن إنقاذ الجنيه السوداني لا يتحقق بإجراءات منع الاستيراد وحدها، كما أن حماية المواطن لا تتحقق بمجرد إلغاء الجمارك. الحل يكمن في إدارة متوازنة للنقد الأجنبي والإنتاج والتجارة والإنفاق العام.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الصحافة الاقتصادية على المسؤولين:
من أين ستأتي الدولارات لتمويل الواردات الجديدة؟ ومن يضمن أن تصل وفورات الإعفاءات إلى جيب المواطن، لا إلى أرباح الوسطاء والمضاربين؟
فالقرار الاقتصادي الناجح ليس ما يصدر في الاجتماعات، وإنما ما ينعكس على سعر الدولار، وتوافر الغذاء، واستقرار الأسواق، وقدرة الأسرة السودانية على تأمين احتياجاتها اليومية.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للحكومة، لا عند إصدار القرار، بل عند تنفيذه.


