من معارك واو إلى ميدان الحرية بجوبا
جوزيف لاقو.. حين انتقل قائد أنانيا من الحرب إلى مشروع السلام والتنمية
: حسن أبو عرفات من الدوحة
ثمة أحداث لا تغادر ذاكرة الصحفي مهما تعاقبت السنوات، لأنها لا تمثل مجرد أخبار عابرة، وإنما محطات عاشها وشهد تفاصيلها، وظلت راسخة في ذاكرته بوصفها جزءاً من تاريخ وطنه.
ومن بين تلك المحطات تجربتي الصحفية في جنوب السودان خلال أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما كنت مراسلاً لصحيفة «الصحافة» السودانية من مدينة واو، حيث عايشت مواجهات عسكرية صعبة بين الجيش السوداني وقوات أنانيا الأولى، التي كان يقودها جوزيف لاقو.
لم تكن الحرب بالنسبة إليّ خبراً أقرأه في الصحف أو أتابعه من وراء المكاتب في الخرطوم؛ فقد كنت في قلب المنطقة التي شهدت جانباً من تلك المواجهات، أتابع الأحداث وأرصد ما تتركه الحرب من آثار على حياة الناس وأوضاعهم الأمنية والاجتماعية.
وفي تلك السنوات، كان جنوب السودان يعيش واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السودان الحديث، وسط صراع مسلح طال أمده، وتطلعات متزايدة إلى إنهائه وإيجاد صيغة سياسية تضمن السلام والاستقرار.
من الحرب إلى اتفاقية أديس أبابا
جاءت اتفاقية أديس أبابا في 27 فبراير 1972 بين حكومة الرئيس جعفر محمد نميري وحركة تحرير جنوب السودان، لتضع حداً للحرب الأهلية الأولى، وتفتح الباب أمام تجربة الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب.
كانت الاتفاقية اختباراً حقيقياً لقدرة السودانيين على معالجة خلافاتهم السياسية عبر الحوار، بدلاً من استمرار المواجهات العسكرية. كما فتحت أمام سكان الجنوب آمالاً في إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وتوسيع فرص التنمية والمشاركة في إدارة شؤون إقليمهم.
كانت «أنانيا» حركة تمرد مسلحة نشأت في جنوب السودان خلال الحرب الأهلية الأولى (1955–1972). وتعني تسميتها في بعض اللغات المحلية «سم الأفعى».
من أبرز قادتها اللواء جوزيف لاقو، الذي نجح في توحيد فصائل الحركة، وأصبح طرفاً رئيسياً في مفاوضات السلام مع حكومة نميري.
ثانياً: اتفاقية أديس أبابا 1972
وقعت الاتفاقية في 27 فبراير 1972، بمشاركة حكومة السودان والحركة الجنوبية، وبوساطة شارك فيها الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي ومجلس الكنائس العالمي.
وكان من أبرز الشخصيات المرتبطة بها:
الرئيس جعفر محمد نميري.
اللواء جوزيف لاقو، قائد أنانيا.
أبيل ألير، الذي قاد وفد الحكومة في المفاوضات.
الدكتور منصور خالد، وزير الخارجية السوداني آنذاك.
وتضمنت الاتفاقية حكماً ذاتياً إقليمياً للجنوب، وإنشاء مؤسسات تشريعية وتنفيذية، ودمج مقاتلي أنانيا في القوات النظامية، وعودة اللاجئين والنازحين.
ثالثاً: لماذا فشلت الاتفاقية؟
حققت الاتفاقية نحو أحد عشر عاماً من السلام النسبي، لكنها واجهت مشكلات متراكمة، أبرزها الخلاف على سلطات الحكم الذاتي، وضعف التنمية الاقتصادية، والتوترات بشأن دمج المقاتلين، والخلافات حول الحدود والموارد النفطية.
وفي عام 1983، قرر نميري إعادة تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، بما قوض نظام الحكم الذاتي الذي أرسته الاتفاقية. وتصاعد التمرد العسكري وظهرت الحركة الشعبية والجيش الشعبي بقيادة جون قرنق، لتبدأ الحرب الأهلية الثانية.
غير أن قيمة الاتفاقيات لا تتوقف عند توقيعها؛ وإنما تقاس بقدرة الأطراف على تنفيذها، وترسيخ الثقة، وتحويل السلام من نصوص سياسية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
في ميدان الحرية بجوبا.. شهادة من قلب الحدث
وبعد توقيع الاتفاقية، أتيحت لي، بصفتي مراسلاً لصحيفة «الصحافة»، فرصة حضور مناسبة جماهيرية في ميدان الحرية بمدينة جوبا، شارك فيها جوزيف لاقو، بحضور أبو القاسم محمد إبراهيم، أحد أبرز قيادات نظام مايو.
كان لاقو قد انتقل من موقع قائد حركة مسلحة إلى موقع المسؤولية التنفيذية في جنوب السودان، في تحول سياسي عكس طبيعة المرحلة الجديدة التي أعقبت اتفاقية السلام.
وأتذكر من تلك المناسبة حديثه عن السلام وبناء الجنوب والتنمية والتعايش السلمي. فقد كانت هذه القضايا في صميم التحدي الذي واجه الإقليم بعد سنوات الحرب؛ إذ لم يكن المطلوب مجرد إسكات صوت السلاح، بل إعادة بناء ما تضرر، وتعزيز التفاهم بين مكونات المجتمع، وتهيئة الظروف لحياة أكثر أمناً واستقراراً.
وقد ترك ذلك المشهد في ذاكرتي دلالة مهمة: فالرجل الذي ارتبط اسمه بقيادة أنانيا أصبح يتحدث أمام المواطنين عن مستقبل يتجاوز الحرب، وعن ضرورة توجيه الجهود نحو البناء والتنمية والتعايش.
ولا أستعيد اليوم تلك المناسبة باعتبارها خطاباً سياسياً فحسب، وإنما بوصفها لحظة من تاريخ السودان تجسدت فيها آمال الناس في أن يتحول السلام إلى مشروع وطني مستدام.
السلام لا يكتمل بالتوقيع
لكن التجربة السودانية أثبتت لاحقاً أن السلام يحتاج إلى أكثر من التفاهمات السياسية. فهو يتطلب مؤسسات قادرة على إدارة التنوع، وعدالة في توزيع الموارد والفرص، وتنمية متوازنة، وثقة متبادلة بين المركز والأقاليم.
وعندما عادت الخلافات بشأن إدارة الجنوب وتقسيمه، ثم اتخذ نميري عام 1983 قرارات أعادت تشكيل نظام الحكم الإقليمي، دخلت اتفاقية أديس أبابا مرحلة الانهيار، واندلعت الحرب الأهلية الثانية.
وهكذا، ظل الفرق كبيراً بين الآمال التي عبّر عنها قادة السلام في الميادين العامة، وبين صعوبة المحافظة على الاتفاقيات وتحويلها إلى مشروع دائم للدولة.
شهادة صحفي عاصر المرحلتين
عندما أستعيد اليوم تلك السنوات، أجد نفسي أمام مشهدين لا يمكن فصلهما: مواجهات واو التي عشتها مراسلاً صحفياً، وميدان الحرية في جوبا الذي شهدت فيه حديث جوزيف لاقو عن السلام والتنمية والتعايش السلمي.
إنها ذكريات من مرحلة مفصلية في تاريخ السودان، تستحق أن تُروى للأجيال الجديدة، لا بهدف استعادة الماضي وحده، بل لفهم الدروس التي يقدمها، وخصوصاً أن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد توقف الحرب، وإنما ببناء دولة يشعر جميع مواطنيها بأن لهم فيها مكاناً ومستقبلاً.
لقد علّمتني تجربتي الصحفية أن التاريخ لا يُكتب بالقرارات الرسمية وحدها؛ بل أيضاً بشهادات الذين كانوا في مواقع الأحداث، ورأوا بأعينهم كيف تتغير حياة الناس بين زمن الحرب وأمل السلام.
جوزيف لاقو (Joseph Lagu)
1931–2026
من أبرز القادة العسكريين والسياسيين في تاريخ جنوب السودان، وأحد المهندسين الرئيسيين لاتفاقية أديس أبابا.
توفي جوزيف لاقو ، 27 أكتوبر 2026، عن عمر ناهز 94 عاماً، وفقاً لما نشرته إذاعة تمازج.
نشأته وصعوده العسكري
ولد في نوفمبر 1931 بمنطقة مولي في الاستوائية، وينتمي إلى قبيلة المادي. وتخرج في الكلية الحربية بأم درمان عام 1960، وعمل ضابطاً بالجيش السوداني قبل انضمامه إلى التمرد الجنوبي عام 1963.
وفي عام 1968 أصبح قائداً لحركة تحرير جنوب السودان وقوات أنانيا، ونجح في توحيد قدر مهم من الفصائل المسلحة تحت قيادته.
علاقته بنميري وأبيل ألير
كانت العلاقة بين لاقو وأبيل ألير من أهم عناصر الصراع السياسي داخل الجنوب بعد السلام. فقد تولى ألير رئاسة أول مجلس تنفيذي للجنوب، بينما وصل لاقو إلى رئاسته عام 1978.
وأصبح لاقو من أبرز المؤيدين لإعادة تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، في مواجهة الاتجاه الذي تمسك بوحدة الإقليم الجنوبي. وقد استجاب نميري لهذا الاتجاه عام 1983، وكان ذلك من العوامل التي ساهمت في انهيار اتفاقية السلام.


