آفاق رقمية
اختراق بينانس.. كيف وصل المهاجمون إلى مليارات الدولارات؟
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
تتسع مساحة الاقتصاد الرقمي يوما بعد يوم، وأصبحت العملات الرقمية جزءا من منظومة مالية عابرة للحدود، تتحرك فيها الأصول والأموال عبر شبكات إلكترونية تعمل على مدار الساعة، وقد أعادت حادثة الاختراق التي تعرضت لها منصة بينانس يوم أمس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦م تسليط الضوء على المخاطر التقنية التي تواجه هذا العالم، بعد أن أعلنت المنصة أن الأثر الإجمالي للحادثة يقدر بنحو ٦.٣ مليار دولار.
ولفهم أبعاد الحادثة، من المهم الوقوف على طبيعة العملات الرقمية، فهي أصول مالية توجد في صورة رقمية، وتنتقل ملكيتها بين المستخدمين عبر شبكات تعتمد على التشفير وسجلات المعاملات الموزعة، التي تسجل عمليات التحويل وتتيح التحقق منها، ويجري التحكم في هذه الأصول باستخدام مفاتيح رقمية، يمثل المفتاح الخاص الوسيلة الأساسية للتصرف فيها. أما منصات التداول، مثل بينانس، فتؤدي دور الوسيط الذي يتيح شراء العملات الرقمية وبيعها وتبادلها، كما توفر خدمات لحفظ الأصول وإدارة عمليات الإيداع والسحب. ومن ثم فإن اختراق منصة تداول لا يعني بالضرورة اختراق تقنية العملة الرقمية نفسها، فقد يستهدف الأنظمة والخدمات التي تدير الوصول إلى الأصول وتنفيذ التحويلات.
تشير المعلومات الأولية التي نشرتها بينانس أن الهجوم ربما بدأ من حاسوب محمول تابع لأحد مهندسي تشغيل وتطوير الأنظمة، تمكن المهاجمون من اختراقه، ثم الوصول إلى حاوية برمجية تشغل إحدى الخدمات الداخلية، واستخدم هذا الوصول إرسال طلبات سحب غير مصرح بها، وذكرت المنصة أنها لم تجد دليلا على تسريب المفاتيح الخاصة بمحافظها الرقمية.
وكشفت التحديثات اللاحقة اليوم أن الحادثة كانت أعقد من اختراق جهاز موظف واحد أو استغلال صلاحياته وحدها، إذ رصدت الشركة نقاط اختراق إضافية، ما يشير إلى أن الهجوم ربما شمل مراحل متعددة داخل بيئتها التقنية.
ولمعرفة ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن مهندس تشغيل وتطوير الأنظمة يتعامل مع بيئات البرمجة والتشغيل والخدمات الداخلية، وتتيح له طبيعة عمله الوصول إلى أجزاء حساسة من البنية التقنية. وقد يتحول جهازه إلى نقطة دخول إذا تعرضت بيانات الدخول أو رموز جلسات الاتصال الخاصة به للسرقة. ومن هذه النقطة يمكن للمهاجم محاولة الانتقال إلى خدمات أخرى، واستغلال الصلاحيات المتاحة، وصولا إلى الأنظمة التي تنفذ العمليات المالية.
ومن السيناريوهات التقنية المحتملة سرقة بيانات الدخول أو رموز جلسات الاتصال، أو استغلال ثغرة في إحدى الخدمات الداخلية، أو الانتقال بين الأنظمة نتيجة اتساع الصلاحيات الممنوحة لبعض الحسابات. وقد يصل الهجوم إلى خدمة التوقيع الرقمي التي تمنح المعاملة موافقتها التقنية، دون الحاجة بالضرورة إلى استخراج المفاتيح الخاصة نفسها. فوجود المفاتيح في أجهزة حماية متخصصة لا يكفي وحده إذا تمكن المهاجم من استغلال النظام المخول له طلب التوقيع، أو تجاوز إجراءات التحقق من سلامة المعاملة.
هذه احتمالات تقنية للتفسير، وليست تفاصيل مؤكدة عن الكيفية التي نفذ بها هجوم بينانس. وثمة جانب آخر يستحق الانتباه، يتمثل في احتمال توظيف الذكاء الاصطناعي في مثل هذه الهجمات، فالأدوات الذكية أصبحت قادرة على مساعدة المهاجمين في جمع المعلومات عن المؤسسات، وتحليل بنيتها التقنية، وصياغة رسائل تصيد شديدة الإقناع، وفحص الثغرات، وتحليل نتائج الاختراق وتحديد مسارات التوسع داخل الشبكة، ولم ترد حتى الآن معلومات تثبت استخدام هذه الأدوات في حادثة بينانس تحديدا، غير أن تطور قدرات الذكاء الاصطناعي يضيف بعدا جديدا إلى مشهد الأمن السيبراني، إذ يمكن أن تسهم هذه الأدوات في تسريع التحليل والتنفيذ وتوسيع نطاق العمليات الهجومية.
ويذكر أن بينانس اتخذت إجراءات احتواء شملت تعليق عمليات الإيداع والسحب مؤقتا، وإلغاء صلاحيات العناوين المتأثرة، والتعاون مع جهات إنفاذ القانون وشركات تحليل التعاملات الرقمية. وأعلنت كذلك تجميد نحو ثلاثة مليارات دولار من الأصول المرتبطة بالحادثة على الشبكات الرقمية.
قد لا يكون الهدف في مثل هذه الهجمات كسر نظام التشفير أو سرقة المفتاح مباشرة، وإنما الوصول إلى المسار التقني الذي يسمح بتنفيذ العملية، وهو الأخطر، ومن جهاز موظف واحد قد تبدأ سلسلة من الاختراقات تنتهي بتحويلات بمليارات الدولارات، وهذا هو الدرس الأهم: أمن المؤسسات الرقمية لا يقاس بقوة كل مكون منفرد، وإنما بقدرة المنظومة بأكملها على منع انتقال الاختراق من حلقة إلى أخرى.
في العمود القادم، نعود إلى استكمال ما بدأناه في حديثنا عن البنية التحتية للإنترنت، لنتناول ما يحدث عندما ينقطع أحد الكوابل البحرية أو تتعطل إحدى المنظومات الفضائية، وكيف تنعكس هذه الأعطال على حركة البيانات واستمرارية الخدمات الرقمية، وما الخيارات المتاحة أمام الدول لضمان استمرار الاتصال وتقليل آثار الانقطاع.
٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦م.

