سباق خلافة غوتيريش يشتعل.. ريبيكا تتقدم ولانا نسيبة تواجه اختبار السودان والفيتو
حسن أبو عرفات – الدوحة
دخل السباق نحو منصب الأمين العام للأمم المتحدة مرحلة بالغة الحساسية، مع اقتراب انتهاء ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، وسط تنافس دبلوماسي تتداخل فيه الكفاءة والخبرة الدولية مع المصالح السياسية للدول الكبرى، وحسابات التوازن الإقليمي، والملفات الساخنة التي تواجه المنظمة الدولية.
وتبرز في هذه المنافسة شخصيتان دبلوماسيتان بارزتان: ريبيكا غرينسبان، الاقتصادية والسياسية الكوستاريكية والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، ولانا زكي نسيبة، الدبلوماسية الإماراتية التي شغلت منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة.
ريبيكا غرينسبان.. خبرة اقتصادية ودبلوماسية تعزز فرصها
تتمتع غرينسبان بسجل دولي واسع، فقد شغلت منصب نائبة رئيس كوستاريكا، وتولت مسؤوليات قيادية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كما شغلت منصب الأمينة العامة للأمانة العامة الأيبيرية الأمريكية، قبل توليها قيادة الأونكتاد في عام 2021.
وتمنحها هذه التجربة ميزة مهمة في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية العالمية، وأزمات الديون، وتباطؤ التنمية، والتوترات التجارية.
كما أن انتماءها إلى أمريكا اللاتينية ينسجم مع المطالبات بمنح المنطقة فرصة لقيادة المنظمة الدولية، إلى جانب الدعوات المتزايدة لاختيار أول امرأة تتولى منصب الأمين العام منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945.
ووفقاً للنتائج المتداولة للاقتراع الاستطلاعي بتاريخ 30 أكتوبر 2026، حصلت غرينسبان على 11 صوتاً مؤيداً مقابل أربعة أصوات غير مؤيدة، وهي نتيجة تمنحها أفضلية عددية، لكنها لا تحسم المعركة في ظل حق النقض الذي تتمتع به الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن.
لانا نسيبة.. حضور دبلوماسي وتحديات سياسية
في المقابل، تدخل لانا نسيبة المنافسة بخبرة دبلوماسية مهمة اكتسبتها خلال تمثيل الإمارات لدى الأمم المتحدة، ومشاركتها في ملفات الأمن والسلم الدوليين، وعمل مجلس الأمن.
وتملك نسيبة معرفة مباشرة بآليات اتخاذ القرار داخل المنظمة الدولية، وشبكة علاقات مع البعثات الدبلوماسية والدول المؤثرة.
غير أن التحدي الذي تواجهه لا يتعلق بكفاءتها المهنية وحدها، وإنما بقدرتها على الحصول على تأييد دولي واسع، وتجاوز التحفظات السياسية المحتملة المرتبطة بمواقف الدولة التي ترشحها.
وبحسب المعلومات المتداولة عن الاقتراع الاستطلاعي السابع، جاءت نسيبة في المركز الرابع، وحصلت على ستة أصوات معارضة وصوتين محايدين، ما يشير إلى أنها لا تزال بحاجة إلى توسيع قاعدة التأييد.
السودان.. هل يتحول إلى عقبة أمام المرشحة الإماراتية؟
هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية من المنظور السوداني: إلى أي مدى يمكن أن تؤثر الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن الحرب في السودان على فرص مرشحتها لقيادة الأمم المتحدة؟
لقد أصبحت الحرب السودانية، بما خلفته من كارثة إنسانية ونزوح واسع وانهيار اقتصادي، واحدة من أبرز الأزمات المطروحة على جدول أعمال المجتمع الدولي.
وتواجه الإمارات اتهامات من الحكومة السودانية وتقارير وتحقيقات دولية بشأن تقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
ومن الناحية السياسية، يمكن أن تؤثر هذه القضية على ترشيح نسيبة إذا رأت بعض الدول أن انتخاب مرشحة تقدمها الإمارات قد يثير تساؤلات حول صورة الحياد والاستقلالية التي ينبغي أن يتمتع بها الأمين العام.
لكن من الضروري التمييز بين الاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات وبين المسؤولية الشخصية للمرشحة. فلا يجوز اعتبار لانا نسيبة مسؤولة عن تلك الاتهامات لمجرد جنسيتها أو ترشيحها، ما لم تتوافر أدلة تتعلق بدورها الشخصي.
كما أن المواقف داخل مجلس الأمن لا تتحدد بقضية واحدة، بل تتأثر بعلاقات الدول ومصالحها الاستراتيجية وحساباتها بشأن مستقبل الأمم المتحدة.
الفيتو.. العقبة الحاسمة
لا يكفي أن تتصدر أي مرشحة التصويت الاستطلاعي لكي تصبح أمينة عامة للأمم المتحدة.
فالمسار القانوني يتطلب توصية من مجلس الأمن، بموافقة تسعة أعضاء على الأقل من أصل خمسة عشر، ومن دون اعتراض أي من الدول الخمس دائمة العضوية: الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، ثم تعيين المرشح من جانب الجمعية العامة.
ولهذا قد تتقدم مرشحة في استطلاعات الرأي داخل المجلس، ثم تتعثر إذا واجهت اعتراضاً من إحدى القوى الكبرى.
التوقعات.. ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: فوز ريبيكا غرينسبان
وهو السيناريو الأرجح إذا استمر تقدمها العددي، وحافظت على قبول الدول الكبرى، واستفادت من الدعم الموجه لترشيح امرأة من أمريكا اللاتينية.
السيناريو الثاني: تقدم لانا نسيبة
يبقى ممكناً إذا استطاعت الإمارات حشد تأييد دبلوماسي إضافي، وتقليص الاعتراضات، والحصول على قبول الدول دائمة العضوية. لكنه يبدو أكثر صعوبة في ضوء الأرقام المتداولة.
السيناريو الثالث: ظهور مرشح توافقي
إذا تعذر التوافق على المرشحتين أو واجهتا اعتراضات حاسمة، فقد تتجه المشاورات نحو شخصية ثالثة تحظى بقبول أوسع بين القوى الكبرى.
الخلاصة.. من يحسم المعركة؟
إن السباق إلى قيادة الأمم المتحدة ليس مجرد منافسة بين شخصيات دبلوماسية، وإنما اختبار لقدرة المنظمة على اختيار قيادة تتمتع بالاستقلالية والمصداقية والقدرة على التعامل مع أزمات العالم.
وتبدو ريبيكا غرينسبان، وفق المعطيات المتداولة، أقرب إلى المنصب من منافستها الإماراتية، لكن الكلمة الأخيرة ستظل مرهونة بمواقف الدول الخمس الكبرى.
أما بالنسبة للسودان، فإن أهمية هذه المنافسة لا تكمن فقط في هوية الفائز، بل في موقف الأمين العام المقبل من الحرب السودانية، وحماية المدنيين، ووقف تدفق السلاح، ودعم جهود السلام والمساءلة الدولية.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل تختار القوى الكبرى أميناً عاماً قادراً على مواجهة الأزمات باستقلالية، أم شخصية تضمن استمرار التوازنات السياسية القائمة داخل المنظمة الدولي
وهناك ثلاث نقاط مهمة أنصح بإبرازها عند النشر:
أولاً، حصلت غرينسبان في الاقتراع السادس على صوتين معارضين من الدول دائمة العضوية، لكن الاقتراع السابع لم يكشف هوية الدول المعارضة. ولذلك فإن تقدمها لا يعني أنها تجاوزت خطر الفيتو.
ثانياً، رشحت الإمارات لانا نسيبة رسمياً يوم 21 أكتوبر 2026، أي قبل تسعة أيام فقط من الاقتراع السابع. وهذا يجعل نتيجتها الأولى مؤشراً مهماً، لكنه ليس حكماً نهائياً على فرصها.
ثالثاً، قد تكون الاتهامات المتعلقة بالسودان احد اسباب الأصوات المعارضة للمرشحة الإماراتية، أو أنها كانت موضوعاً مباشراً في مناقشات مجلس الأمن. .
توقعي السياسي: غرينسبان تتصدر حالياً، لكن غروسي وبيركيت منافسان جديان، وقد تفتح اعتراضات الدول الكبرى الباب أمام تسوية جديدة. أما لانا نسيبة فتحتاج إلى تحول ملموس في مواقف أعضاء مجلس الأمن حتى تصبح من المرشحين الأوفر حظاً.
«يري محللون بان لا تكون حرب السودان هي التي تحسم هوية الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، لكنها ستظل اختباراً لمصداقية المرشحين وقدرتهم على الفصل بين المصالح السياسية للدول ومبادئ العدالة وحماية المدنيين».


