[رؤيتي]
بيرني ساندرز .. الإيمان بحقوق الفقراء في العيش الكريم!
التاج بشير الجعفري
تابعت بإعجاب خلال السنوات الأخيرة الحملة الإعلامية والسياسية التي ظل يقودها السيناتور الأمريكي المستقل بيرني ساندرز Bernie Sanders، صاحب التوجه الاشتراكي الديمقراطي، ضد تنامي نفوذ الطبقة الثرية وتركز الثروة في أيدي قلة من الأمريكيين، مطالباً بتوسيع مظلة الرعاية الصحية لتشمل الجميع، وتعزيز الحماية الاجتماعية للطبقة المتوسطة والطبقة العاملة، وفرض ضرائب أكثر تصاعدية على أصحاب الثروات الكبيرة.
ينطلق ساندرز في مواقفه من قناعة راسخة بأن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء يمثل تهديداً للعدالة الاجتماعية، وأن الثروة الهائلة التي تنتجها الاقتصادات الحديثة ينبغي ألا تتركز في أيدي قلة محدودة، بينما تعاني قطاعات واسعة من المجتمع من صعوبة الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والسكن اللائق.
السيناتور الأمريكي، البالغ من العمر 85 عاماً، ظل وفياً لرسالته السياسية والاجتماعية التي آمن بها طوال مسيرته، ساعياً إلى انتزاع المزيد من الحقوق للطبقة العاملة (Working Class)، وقد نجح في بناء قاعدة جماهيرية واسعة، خاصة وسط الشباب والفئات الأقل دخلاً.
وشخصياً، أعتقد أن حملته السياسية والإعلامية المكثفة ضد سياسات الرئيس دونالد ترمب، إلى جانب جهود قيادات ديمقراطية أخرى، أسهمت في تعزيز موقف الحزب الديمقراطي خلال الانتخابات النصفية التي جرت في الثالث من نوفمبر الجاري، والتي حقق فيها الحزب انتصاراً كبيراً بانتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ.
وتشير التقارير إلى أن السيناتور ساندرز كثّف لقاءاته الجماهيرية خلال فترة الاستعداد للانتخابات، متنقلاً بين عدد من الولايات الأمريكية، ومدافعاً عن حقوق الفئات الأقل دخلاً، ومحفزاً الناخبين على المشاركة الواسعة في التصويت، انطلاقاً من قناعته بأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية للإدارة الحالية تشكل تهديداً لمستقبل الطبقة العاملة ومستوى معيشتها.
ولعل من أبرز المواقف التي تستحق التوقف عندها في مسيرة ساندرز موقفه من التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) والروبوتات الذكية (Robotics).
فهو يرى أن هذه التقنيات، على الرغم مما تحمله من فرص هائلة لزيادة الإنتاجية وتحسين حياة البشر، قد تتحول إلى تهديد حقيقي لملايين الوظائف إذا تُرك تطويرها واستخدامها دون ضوابط وتشريعات تحمي حقوق العاملين.
ومن هنا، يطالب بضرورة وضع الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة لضمان ألا تذهب المكاسب الاقتصادية الناتجة عن هذه الثورة التكنولوجية إلى أصحاب الشركات والثروات وحدهم، بينما يتحمل العاملون وحدهم تكلفة فقدان وظائفهم ومصادر دخلهم.
إنها، في تقديري، رؤية تستحق الاهتمام؛ فالتقدم التكنولوجي ينبغي أن يكون وسيلة لتحسين حياة الإنسان، وليس سبباً في زيادة معاناته أو حرمانه من مصدر رزقه. كما أن ارتفاع الإنتاجية نتيجة استخدام التكنولوجيا يجب أن ينعكس إيجاباً على مستوى معيشة العاملين، وليس فقط على أرباح الشركات الكبرى.
شخصياً، أعتبر بيرني ساندرز واحداً من القيادات السياسية التي تستحق التقدير في عالمنا المعاصر، لما يتمتع به من وضوح في المواقف، وثبات على المبادئ، وقدرة على الدفاع عن رؤيته السياسية والاجتماعية دون التخلي عنها بحثاً عن المكاسب السياسية السريعة.
والأهم من ذلك كله هو انحيازه الواضح للطبقة العاملة والفئات الأقل دخلاً، ومناهضته لتركز الثروة والنفوذ الاقتصادي والسياسي في أيدي قلة من أصحاب المليارات والشركات العملاقة، على حساب حقوق بقية أفراد المجتمع.
ولا شك أن التيار التقدمي الذي يمثله ساندرز قد نجح في استقطاب قطاعات واسعة من الشباب الأمريكي، وطرح قضايا العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وتكافؤ الفرص في صدارة النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة.
ويجدر التذكير بأن ساندرز خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عام 2016، لكنه خسر أمام هيلاري كلينتون، التي أصبحت لاحقاً مرشحة الحزب في الانتخابات الرئاسية، قبل أن تخسر أمام دونالد ترمب. وربما أسهم توجهه الاشتراكي الديمقراطي في إثارة تحفظات بعض قيادات الحزب التقليدية، لكنه في المقابل نجح في استقطاب قاعدة واسعة من الشباب والناشطين الذين وجدوا في خطابه تعبيراً عن تطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وأعتقد أن ساندرز أسهم بدور مهم في الانتصار الذي حققه الديمقراطيون في الانتخابات النصفية الأخيرة، من خلال جولاته الجماهيرية وحملاته الإعلامية الدؤوبة، ومشاركته في تعبئة الناخبين حول قضايا العدالة الاجتماعية وحماية حقوق العاملين.
إن تجربة بيرني ساندرز تقدم درساً مهماً في العمل السياسي، مفاده أن الإيمان بالمبادئ والتمسك بها، والقدرة على مخاطبة هموم الناس الحقيقية، يمكن أن يصنعا تياراً جماهيرياً مؤثراً، حتى في مواجهة أصحاب النفوذ والثروة والإمكانات المالية والإعلامية الهائلة.
فالقضية في جوهرها ليست صراعاً بين الفقراء والأغنياء بقدر ما هي مطالبة بتحقيق العدالة في توزيع ثمار التنمية، وضمان أن تكون فرص الحياة الكريمة متاحة للجميع، لا حكراً على أصحاب الثروة والنفوذ.🔹
eltag.elgafari@gmail.com

