القصر الجمهوري.. شاهد على تاريخ السودان من الحكم التركي إلى الاستقلال والحروب
من مجالس السيادة إلى المجالس العسكرية.. حكاية السلطة في السودان كما ترويها جدران القصر
تقرير: حسن أبو عرفات من الدوحة
لم يكن القصر الجمهوري في الخرطوم مجرد مبنى حكومي أو مقر لإقامة الحاكم وإدارة شؤون الدولة، بل كان شاهداً حياً على تاريخ السودان الحديث، بكل ما شهده من تحولات سياسية وعسكرية واجتماعية. فمنذ بدايات تشييده في عهد الحكم التركي المصري، مروراً بالحكم الثنائي البريطاني المصري، ثم الاستقلال الوطني في الأول من يناير 1956، ظل القصر مسرحاً لأحداث مفصلية صنعت جانباً كبيراً من تاريخ البلاد.
وتكشف قراءة تاريخ القصر عن ارتباط وثيق بين تطور المؤسسة الحاكمة في السودان وتغير شكل رئاسة الدولة؛ من مجالس السيادة التي مثلت رأس الدولة في مراحل الحكم المدني، إلى المجالس العسكرية التي تولت السلطة عقب الانقلابات، وصولاً إلى مؤسسة الرئاسة بصيغتها الجمهورية.
هذه التفاصيل وغيرها يوثقها الزميل الصحفي صلاح لبيب في كتابه «القصر الجمهوري.. المبنى والمعنى (1832–2013)»، الذي يقدم شهادة تاريخية مهمة عن أحد أبرز معالم الدولة السودانية.
صلاح لبيب .. 32 عاماً بين الوثائق وأحداث القصر
تنبع أهمية الكتاب من تجربة مؤلفه المهنية الطويلة داخل القصر الجمهوري؛ فقد عمل صلاح لبيب نحو 32 عاماً في عدد من الوظائف والمهام، إلى أن تقاعد في عام 2009، وكانت آخر مسؤولياته إدارة العلاقات العامة بالقصر.
وخلال هذه السنوات، لم يكن مجرد موظف يؤدي مهامه الإدارية، بل كان شاهداً على كثير من الأحداث والتحولات التي مرت بها البلاد، وعاصر عهوداً سياسية مختلفة، بدءاً من حقبة مايو، مروراً بانتفاضة أبريل 1985 وعودة الديمقراطية، ثم سنوات حكم الإنقاذ.
وقد أتاح له عمله القريب من مؤسسات الرئاسة الاطلاع على الوثائق والمعلومات والتفاصيل المرتبطة بتاريخ القصر، ورصد جانب مهم من الحياة السياسية والإدارية التي دارت بين جدرانه.
رئاسة الدولة بعد الاستقلال.. من مجلس السيادة إلى الحكم العسكري
مع اقتراب نهاية الفترة الانتقالية، وفي إطار الترتيبات الدستورية التي سبقت الاستقلال، جرى تشكيل أول مجلس للسيادة، ليتولى مهام رأس الدولة عند إعلان استقلال السودان في الأول من يناير 1956.
وكان المجلس الأول مكوناً من خمسة أعضاء، في تجربة عكست التوافق السياسي والتنوع الوطني في بدايات الدولة المستقلة، واستمر حتى انقلاب 17 نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود.
ويمكن قراءة تطور مؤسسة رأس الدولة بعد الاستقلال عبر ثلاث محطات مدنية رئيسية:
* المحطة الأولى (1956–1958): مجلس السيادة الأول، الذي تولى مهام رأس الدولة منذ إعلان الاستقلال.
* المحطة الثانية (1964–1969): عودة نظام مجلس السيادة عقب ثورة أكتوبر 1964، واستمراره خلال فترة الديمقراطية الثانية حتى انقلاب مايو 1969.
* المحطة الثالثة (1986–1989): المجلس الأعلى للدولة، الذي تولى مهام رأس الدولة عقب الانتخابات العامة وعودة الحكم الديمقراطي، واستمر حتى انقلاب 30 يونيو 1989.
أما المجالس العسكرية التي تعاقبت على حكم البلاد، فتشمل أربع محطات بارزة:
1. 1958: المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عقب انقلاب الفريق إبراهيم عبود.
2. 1969: مجلس قيادة ثورة مايو، بقيادة العقيد جعفر نميري.
3. 1985: المجلس العسكري الانتقالي، برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، عقب انتفاضة أبريل.
4. 1989: مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، عقب انقلاب الثلاثين من يونيو بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير.
وبذلك يتضح أن تاريخ رئاسة الدولة السودانية لم يكن خطاً دستورياً مستقيماً، بل شهد تعاقب أنظمة مدنية وعسكرية، وتغيراً في المسميات والصلاحيات، تبعاً لطبيعة كل مرحلة سياسية.
القصر الجمهوري.. من بدايات الحكم التركي إلى عهد كتشنر
تعود جذور القصر الجمهوري إلى مرحلة الحكم التركي المصري في القرن التاسع عشر، عندما بدأت الخرطوم تتشكل مركزاً إدارياً وسياسياً للسودان.
وقد أسهم الموقع الجغرافي للخرطوم عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض في ترجيح مكانتها، إلى جانب أهميتها الاستراتيجية وسهولة الاتصال بمصر عبر النيل.
وتشير المصادر التاريخية إلى الدور الذي لعبه الحكمدار عثمان بك جركس البرنجِي في اختيار الخرطوم مقراً للحكم، فيما ارتبط عهد خورشيد باشا بتوسع المدينة وتعميرها وتطوير منشآتها الإدارية والعمرانية.
وفي تلك المرحلة، بدأت تتشكل ملامح المنطقة الحكومية حول مقر الحكم، حيث شُيدت المباني الإدارية والمنشآت العسكرية والتجارية، لتصبح الخرطوم مركزاً لإدارة البلاد.
أما مبنى القصر الذي نعرفه اليوم، فقد شهد إعادة بناء رئيسية بعد استعادة الحكم الثنائي للخرطوم عام 1898. فقد أمر الحاكم العام الأول، اللورد هربرت كتشنر، بإعادة بناء القصر عام 1899، على جزء من أساسات القصر السابق الذي ارتبط اسمه بعهد غردون باشا.
واكتمل جزء كبير من المبنى عام 1900، ثم استمرت أعمال استكمال المنشآت والملحقات في عهد الحاكم العام السير ريجنالد ونجت، حتى اكتمل المخطط العام للقصر ومرافقه بحلول عام 1906.
وقد استخدم الطوب الأحمر في تشييده، مع الحجر الرملي في بعض أجزائه، ليصبح واحداً من أبرز المباني التاريخية في العاصمة.
من غردون إلى الاستقلال.. القصر يتغير بتغير الحكام
شهد القصر تعاقب الحكام خلال العهد التركي المصري، ثم فترة الحكم الثنائي البريطاني المصري، وكان مقر الحاكم العام ومركز إدارة البلاد.
وبعد سقوط الخرطوم في يناير 1885 خلال الثورة المهدية، انتقلت عاصمة الدولة المهدية إلى أم درمان، وتراجعت مكانة الخرطوم الإدارية والعمرانية خلال تلك الفترة، قبل أن تعود العاصمة إلى الخرطوم عقب انتصار القوات البريطانية المصرية في معركة كرري عام 1898.
ومع إعادة بناء المدينة والقصر، عاد المبنى ليكون مركزاً للحكم والإدارة في عهد الحكم الثنائي، واستمر كذلك حتى الاستقلال.
الفريق إبراهيم عبود.. أول رئيس وطني يسكن القصر
بعد انقلاب 17 نوفمبر 1958، أصبح الفريق إبراهيم عبود أول رئيس وطني يتولى السلطة في ظل الحكم العسكري ويقيم بالقصر الجمهوري.
وقد اتخذ الجزء الجنوبي الغربي من القصر مقراً لإقامته، وظل في الحكم حتى ثورة أكتوبر 1964، التي أنهت نظامه العسكري وأعادت البلاد إلى المسار المدني.
وبعد تنحيه، غادر عبود القصر وانتقل إلى منزله الخاص بحي العمارات في الخرطوم، وابتعد عن العمل السياسي، حتى وفاته في عام 1983، ودُفن بمقابر المحجوب في الخرطوم بحري.
مفارأة داخل القصر.. عبد الخالق محجوب على مقربة من مكتب نميري
ومن الوقائع اللافتة التي يوردها الكتاب، ما حدث خلال انقلاب الرائد هاشم العطا في يوليو 1971.
فقد كان عبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، مختبئاً في منزل الرائد أبو شيبة، قائد الحرس الجمهوري، داخل محيط القصر، وعلى بعد أمتار من مكتب الرئيس جعفر نميري.
وكانت المفارقة أن المنزل يقع في نطاق مسؤولية الحراسة الأمنية التي كان يفترض أن تحمي الرئيس وتؤمن محيطه.
وتشير الرواية إلى أن نميري لم يكتشف وجود عبد الخالق محجوب في ذلك المنزل إلا بعد عودته إلى السلطة عقب فشل الانقلاب بثلاثة أيام، فأصدر أمراً بإزالة المنزل الحكومي، كما جرى ضم مبنى الكنيسة إلى حوش القصر.
وتظل هذه الواقعة من أكثر المشاهد دلالة على المفارقات التي شهدها القصر خلال الصراعات السياسية والعسكرية في السودان.
القصر الجديد.. مرحلة عمرانية مختلفة
لم يتوقف تاريخ القصر عند المبنى القديم، فقد شهدت الخرطوم لاحقاً مشروع تشييد القصر الجمهوري الجديد بمساهمة صينية، ووُضع حجر أساسه في مارس 2011.
ومثل المشروع انتقالاً إلى مرحلة عمرانية جديدة، من حيث التصميم والمساحة والمرافق، حيث بلغت مساحة مجمع القصر، وفق المعلومات الواردة في الكتاب، نحو 150 ألف متر مربع.
لكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 امتدت آثارها إلى القصر الجمهوري، وألحقت به دماراً وأضراراً كبيرة، قبل أن تبدأ جهود إعادة تأهيله وإعادة بنائه.
وهكذا ظل القصر، بمبناه القديم والجديد، مرتبطاً بتاريخ الدولة السودانية، شاهداً على تعاقب الحكام والأنظمة، وعلى لحظات الاستقلال والانقلابات والثورات، وصولاً إلى الحرب التي لا تزال تلقي بظلالها على مستقبل البلاد.
المبنى والمعنى.. ذاكرة وطن لا مجرد جدران
إن كتاب صلاح لبيب لا يقدم مجرد سرد معماري لتاريخ مبنى حكومي، بل يفتح نافذة على تاريخ السودان السياسي من داخل أحد أهم مراكز صناعة القرار.
فالقصر الذي شهد رفع علم الاستقلال، وتعاقب رؤساء الدولة ومجالس السيادة والمجالس العسكرية، كان حاضراً في تفاصيل التحولات الكبرى التي عرفها السودان.
ومن هنا تبرز قيمة هذا العمل التوثيقي، ليس فقط باعتباره مرجعاً لتاريخ القصر الجمهوري، وإنما باعتباره جزءاً من الذاكرة الوطنية التي تستحق الحفظ والتوثيق، خاصة في ظل ما تعرضت له مؤسسات الدولة ومبانيها التاريخية من دمار خلال الحرب.
فالمباني قد تُرمم وتُعاد، لكن الذاكرة التاريخية لا تُستعاد إلا بالتوثيق والشهادات الصادقة وحفظ الوثائق للأجيال القادمة




