بروفيسور مأمون إبراهيم ضو البيت في حوار الراهن الزراعي مع “مجلة حواس”
مشكلتنا في السودان إدارة العمل وعدم الاستفادة من فرص الصادر الزراعي
تتميز القضارف بمزارعين يحبون أرضهم ويخلصون لها
فشلنا في إدارة مشروع الجزيرة ومواكبة المتغيرات
تدني إنتاجية الحاصلات الزراعية هي أم المشاكل في السودان
فترة ما بعد الحرب تتطلب مراجعة دقيقة للتمويل المصرفي لكل النظم الزراعية
بروفيسور مأمون إبراهيم ضو البيت، صاحب بصمة خاصة في العمل الزراعي مزج بين التخصصية العلمية والعمل الميداني فأصبح خبيراً زراعياً يشار إليه بالبنان.
ما زال يقدم رؤاه الجادة والمثمرة، وهو يشغل مدير التقانات الزراعية بمجموعة “سي تي سي”.. نلتقيه في حوار الراهن الزراعي مع “مجلة حواس” ونقلب معه أسئلة الزراعة المتعطشة لإجابات، فأروى ضو البيت ظمأ الحروف كما تروي مياه النيل الحقول والوديان.
حوار – *طارق شريف ساتي*
– ماهي اقتراحاتك لتطوير التمويل الزراعي المصرفي في فترة ما بعد الحرب؟
أولاً نسأله تعالى أن يوقف هذه الحرب اللعينة التي أضرت بالسودان وأهلكت إنسانه وزرعه وضرعه وخربت البنيات التحتية ووسائل الإنتاج، وأضرت بالزراعة إذ خرجت مساحات زراعية ضخمة من دائرة الإنتاج بسبب عدم وجود الأمن.
العمل الزراعي التجاري يتكون من ثلاث حلقات: حلقة التمويل وحلقة الإنتاج وحلقة التسويق. خلال الفترات السابقة كان التمويل أحد الأسباب الأساسية التي أقعدت الزراعة التجارية، وذلك لعدم كفايته ولمشاكل توفيره وإدارته بصورة عملية وواقعية وعادلة.
فترة ما بعد الحرب تتطلب مراجعة دقيقة للتمويل المصرفي لكل النظم الزراعية وفرص إنجاحها، وذلك عن طريق ابتداع أساليب تمويلية جديدة وإصدار سياسات واقعية تصطحب ظروف المنتجين الجديدة بعد الحرب كما تستفيد من خيارات المنتجين والابتكارات التي نجحوا في تطبيقها للتعامل مع الظروف الاقتصادية الصعبة، ويمثل عدم توفّر التمويل والكساد ومشاكل تسويق الحاصلات الزراعية مشكلة مزمنة، هذا يتطلب من قطاع التمويل والتأمين الزراعي العمل بجدية وعلمية وواقعية للخروج بحلول مناسبة تحرك العمل الزراعي، وتزيد عائد المزارعين وترفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج القومي وتؤثر إيجاباً على العمل الزراعي وعلى معيشة الإنسان السوداني.
– كيف يمكن الاستفادة من تمويل المنظمات العالمية للزراعة؟
الاستفادة من تمويل المنظمات العالمية للزراعة الذي يكون عبر بنوك التنمية وعبر المؤسسات الأممية وعبر مؤسسات التنمية التابعة للدول أو الاتحادات الدولية، تكون عبر الاستقرار السياسي بالسودان وعبر السياسات الكلية الخارجية وتحسين العلاقات مع الدول والمنظومات الاقتصادية والأسواق الإقليمية والعالمية. يكمن السر في تجويد إدارة التعامل مع هذه المؤسسات في فتح الفرص والترويج لها وفي العمل على مناصرة والدفاع عن منتجاتنا الزراعية. لنا في السودان إرث وصفحات ناضرة في التعامل مع المنظمات العالمية والاستفادة منها خاصة في مجالات تأسيس المشروعات الزراعية وفي تطويرها وتجويد إدارتها وتحديثها.
– لديكم تجربة متميزة أثناء الحرب عبر مجموعة “سي تي سي” التي تتولى منصب مدير نقل التقانات بها كانت في التقانة الزراعية بالقضارف حدثنا عن هذه التجربة؟
ولاية القضارف بقعة طيبة من السودان الحبيب تمثل رقماً كبيراً في الزراعة بالسودان. تزرع القضارف سنوياً مساحة تبلغ نحو (7.5) مليون فدان تساوي نحو (50%) من مساحة الإنتاج الآلي المطري، وتساهم القضارف بنحو (30%) من الذرة المنتج محلياً ونحو (20%) من السمسم، بالإضافة إلى الدخن والقطن وزهرة الشمس والفول السوداني وحب البطيخ.
تتميز القضارف بمزارعين يحبون أرضهم ويخلصون لها ويعرفون كيف يفلحونها، ويعملون كلهم كبارهم وصغارهم على تجويد عملهم وزراعتهم.
تطبيق التقانات الزراعية بالقضارف كان هو الأول بالسودان في مجالات الميكنة وفلاحة المساحات الشاسعة، وبدأ منذ أواسط أربعينيات القرن الماضي. مجموعة “سي تي سي” تعمل بمفاهيم عصرية ووطنية، تقدم الحلول لمشاكل الزراعة وتعمل على نشر الوعي ونقل التقانات الزراعية الحديثة، وتقدم أجودها في مجالات البذور والأسمدة ومبيدات الحشائش والحشرات وفي نظم الميكنة الزراعية والطاقات المتجددة، كما تقدم الإسناد الفني وتعمل على بناء القدرات في مجال تطبيق التقانات الزراعية الحديثة، وتعمل كذلك على تقديم مبادرات لربط التمويل (معاً للتمويل الأصغر) والتسويق الزراعي (سي تي سي للصادرات الزراعية) بالإنتاج، وتقدم نماذج ناجحة لتطوير الزراعة.
ولاية القضارف يمكن أن تكون بداية للتوسع في النجاحات للزراعة الحديثة التي يمكن تطبيقها في كل السودان. المجهودات التي قامت بها “سي تي سي” لنقل التقانات الزراعية الحديثة في القضارف أحدثت تغييراً كبيراً في همة ووعي المزارعين وممارساتهم ولاقت إعجاباً وتقديراً من كل قطاعات المنتجين بأحجامهم المختلفة، وانعكس ذلك على أدائهم خاصة في ظروف هذه الحرب اللعينة. وعلى سبيل المثال ولدهشة الجميع وبالرغم من الظروف الاستثنائية والصعبة زادت المساحة المزروعة بالقضارف بنحو (14%) مقارنة بالموسم السابق، كما ارتفعت معدلات تبني التقانات الحديثة كاستخدام الأسمدة والبذور، وظهر أيضاً في مؤشرات واضحة بارتفاع الإنتاجية.
تملأني السعادة أن أرى “سي تي سي” تقود هذا العمل الرائع وأن أشاهد أمامي مظاهر التغيير المختلفة في الزراعة بالسودان .. يحدث هنا أمام أعيننا في القضارف.
– ماذا ينقص السودان حتى ينطلق زراعياً؟
الموارد موجودة ومتوفرة، والطلب العالمي على المنتجات الزراعية موجود والأسواق موجودة والخطط جاهزة والتقانات متوفرة والكوادر البشرية متوفرة بكل درجاتها والمنتجون موجودون ولهم الرغبة.. كل معطيات النجاح متوفرة لكن تنقصنا الجدية والإدارة الجيدة لمواردنا. لدينا خطط وبرامج كأبدع ما يكون لكن نفشل في تطبيقها على أرض الواقع.. أين الاستقرار السياسي وأين الإرادة السياسية التي تقود هذا العمل وتهيئة البيئة المناسبة لانطلاق الزراعة التي هي قاطرة الاقتصاد الوطني للنماء والتطور والازدهار.
قال الشاعر صلاح أحمد ابراهيم “النيل وخيرات الأرض هنالك.. ومع ذلك.. ومع ذلك”..
– هنالك شكاوى من تدنى إنتاجية الفدان في السودان.. ما هي الحلول المقترحة؟
تدني إنتاجية الحاصلات الزراعية هي أم المشاكل بالسودان وحلولها موجودة، أهمها: تطبيق المعارف والتقانات الزراعية.. مثلاً في ولاية القضارف أثبتت حقول المزارعين التي تشرف عليها “سي تي سي” أنه بحزمة تقانات محددة وبتجويد إدارة المزرعة يمكن الحصول على إنتاجية (20) جوالاً من الذرة للفدان الواحد، علماً بأن متوسط إنتاجية فدان الذرة بالسودان تبلغ نحو جوالين للفدان، هذا يعنى أن إنتاجية الذرة بالسودان ما زالت في حدود (10%).
وقبل بدء العمل لزيادة هذه الإنتاجية لا بد من تهيئة البيئة المناسبة لدفع المزارع لرفع إنتاجية الذرة، وذلك بوضع السياسات المناسبة للتغيير المطلوب: سياسات الإنتاج والمدخلات وسياسات التمويل وسياسات التسويق والتصنيع وسياسات التحفيز، ولكي يتم تطبيق التقانات الزراعية وتكون حلاً لمشاكل تدني الإنتاجية الزراعية لا بد لهذه التقانات أن تكون عملياً ممكنة واقتصادياً مجزية واجتماعياً مقبولة وبيئياً سليمة. كل هذا ممكن وسهل بتوفر الإرادة.. المثل العالمي يقول “إذا كانت هناك إرادة سيكون هنالك حل – If there is a will there is a way”.
– كيف يمكن أن ينهض السودان بعد الحرب زراعياً؟
إذا وقفت الحرب اللعينة وعاد الأمن والسلام فلا بد من إعادة منظومة الدولة التي تهيئ البيئة المناسبة للعمل، وذلك بإصدار الاستراتيجيات والسياسات والمؤسسات التي تقوم بمراجعة القوانين والضوابط التي تنظم العمل الاقتصادي ككل والزراعي على وجه الخصوص، وأن تعمل على تطبيقها بصورة عادلة ونزيهة. هذا الترتيب سيهيئ الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني للقطاع الخاص ليعمل في ظروف عادلة ومشجعة، ويقدم بتنافسية المناشط المطلوبة لتحريك الزراعة سواء كانت إنتاجاً أو تصنيعاً أو تقديماً للمدخلات والخدمات، ويحرك كل المساهمين في العمل الزراعي بمن فيهم المنتجون والممولون والمسوقون، وتدوير عجلة الإنتاج الزراعي وتعمل كقاطرة للاقتصاد السوداني وتنعكس على باقي المناشط الاقتصادية من تحريك لأعمال تجارية أخرئ مثل توفير فرص العمل وتحريك الصادر.
– الاستثمار الزراعي الأجنبي بعد الحرب.. ما هي مقترحاتك لتطويره؟
لا بد من إصدار سياسات راشدة للاستثمار الأجنبي، ولا بد لها من الانحياز للتوجهات الوطنية ولمقاصد الزراعة مثل تطبيق السياسات والخطط الوطنية واستدامة استخدام الموارد، ولا بد أن تعطى الأولوية للمستثمرين السودانيين وأن توجه الاستثمارات الأجنبية للمناشط التي تحتاج إلى رؤوس أموال لا تتوفر في السودان مثل مشاريع البنية التحتية والطاقة. كذلك لا بد من الحرص على تطبيق قوانين الاستثمار بجدية ونزاهة ووطنية.
– محاصيل زراعية يراهن عليها بروف مأمون لترجيح كفة الزراعة؟
أرى أن ترجيح كفة الزراعة يكمن في الاستفادة القصوى من الحاصلات المزروعة حالياً التي لدينا الخبرة والإرث والمقومات والبنية التحتية لإنتاجها وتسويقها. المحاصيل الزراعية التي ننتجها حالياً بالسودان هي: المحاصيل الغذائية (الذرة، الدخن، القمح والذرة الشامية) والمحاصيل النقدية (السمسم، القطن، الفول السوداني، الصمغ العربي، زهرة الشمس، الكركديه، البطيخ، قصب السكر، الأعلاف، البقوليات، الخضر والفاكهة)، لدينا خبرة وإرث وبنى تحتية وتقانات لإنتاجها لكن المشكلة تكمن في كيفية تعظيم العائد منها. تعظيم العائد من الزراعة لا يتحقق بتغيير التركيبة المحصولية الحالية فقط لكن يتم عبر استخدام مفاهيم وأساليب جديدة تستفيد من واقع السوق المتغير والطلب العالمي للمنتجات الزراعية. هذا مع العلم بأن هنالك محاصيل أثبتت البحوث والتجربة جدوى إنتاجها فنياً في السودان، لكن هناك خطوات كثيرة مطلوب العمل عليها مثل الجدوى الاقتصادية والتنافسية وقضايا التسويق المحلي والعالمي.
تعظيم الاستفادة من المحاصيل الحالية يمكن أن يتم عبر:
أولاً- استخدام التقانات الزراعية الحديثة لرفع إنتاجيتها وتحسين نوعيتها، ثم تعظيم العائد منها بإدخال القيمة المضافة وتصنيع المواد الخام التي نصدرها، عبر التخطيط السليم والاستفادة من فرص السوق والطلب العالي للغذاء. مثلاً التركيز على الإنتاج الحيواني وتصدير المنتجات الحيوانية المصنعة بدلاً عن تصدير الأعلاف الخام والحيوانات الحية.
ثانياً- توجيه الإنتاج الزراعي للإيفاء بالمتطلبات المستقبلية للعالم والاستفادة من الأسواق الجديدة التي تدر عائداً عالياً ولها طلب مستمر ومستدام، فبدلاً عن زراعة نحو (20) مليون فدان من الذرة لإنتاج الحبوب بإنتاجية متدنية يمكن تقليل مساحة الذرة المنتجة للحبوب ورفع إنتاجيتها، وزيادة مساحة الذرة المستهدفة لإنتاج الطاقة الحيوية بإدخال أصناف جديدة من الذرة التي تتميز بنسبة عالية من السكر كـ(العنكوليب) وزراعتها وتصنيع الوقود الحيوي كالإيثانول الذي يتميز بسوق متنامٍ وكبير ومستدام.
– رؤية لتطوير قطاع الصادر؟
المتتبع لقطاع الصادر الزراعي يدرك أن هنالك فرصاً ضخمة وأسواقاً كبيرة يمكن للسودان أن يستفيد منها عبر ميزاته المختلفة. الدول الزراعية الناجحة كانت بداياتها تطوير صادراتها الزراعية، رفعت تلك الدول شعارات “التصدير أو الموت –Export or die” ونجحت.
نجاح الصادرات الزراعية أتاح فتح آفاق جديدة للعمل الزراعي وانعكس ذلك على تطوير الزراعة وتحريكها ونجاحها.. مشكلتنا في السودان هي إدارة العمل وعدم الاستفادة من فرص الصادر الزراعي.
الشاهد أن الدولة ليست لها سياسات وضوابط لتتيح الفرص للقطاع الخاص للعمل فيها بتنافسية، والدولة مطالبة بتطبيق القوانين واللوائح التي تضمن للمستثمرين حقوقهم وللدولة حقوقها. المطلوب إدارة للصادر والاستفادة من العلاقات الدولية والأسواق المشتركة بما فيها من فرص للمنتجات الزراعية السودانية التي تتميز على كثير من المنتجات الأخرى في السوق، وتشجيعها والترويج لها وحمايتها قانونياً وتجارياً.


