قلوب لا تتوقف عن الخفقان
م. أميمة عبد الله
قد أكون مثل الكثيرين بحاجة إلى مدد من القوة لأستمر، مؤاساة إضافية لأتنفس، مقدرة إستعابية أعلى لأخرج من ذهول الحرب والفقدان، طاقة للمشوار، خطوة للإكمال، ذاكرة للبدايات الجديدة، حائط للإتكأ، عصا للإسناد وخفقانٌ أسرع قليلاً يسعف القلب، ومزيداً من الأمل، وشمساً أخرى للأحلام.
لكم نحن بحاجة إلى الإيمان في مثل هذه الأوقات.
في وقتٍ نشعر فيه أننا منهكون بما يكفي، كل ما حولنا الآن يتغذى على جرعات من دمائنا النقية، يتقاسم معنا الأكسجين، يضاعف عبّ الحمل بالهم، يثقل الكاهل بضيق اليد ويبطئ الخُطى، يشتت البصر ويشوش على البصيرة، يغبش علينا المرآة فتظهر الوجوه ذابلة، كل ذلك يُوهن الجسد وكأنه مريضاً منذ أعوام.
إنه وقت الصبر واليقين والتوكل والتعلق ب الله لأن الأجنحة ماعادت تطير والشمس ماعادت تخرج ساطعةً والضباب سيطر على مداخل المدن.
تشعر وكأن ماحولك بلا بوصلة، او أن الإتجاهات إختلطت على مؤشرها..
الكثيرين ألجمتهم الحرب، أذهلتهم المفاجأة، أقعدتهم وجعلتهم مغلولي الأيدي، مخنوقي العنق مورطين في الحياة أكثر من كونهم مورطين في الموت، عاجزين عن إعالة أسرهم، ساهين وشاردي الذهن، إختلط عليهم وقت الصباح مع المساء، تداخلت عندهم الوقائع وباتت الناس تشفق على نفسها والنكبات تتوالى كقطع الليل الأسود وأخرين انسحبوا من الحياة وإتخذوا من المكان ركناً
ومازالت الناس تنتظر أن تخرج عليها قيادتها لتزف إليها خبر النصر المبين والإنتصار الحاسم، لا يمحو إنتهاك الدولة إلا النصر الساطع الذي لا يغبشه تردد ولا تراجع ولا ارتعاشة يد..
وفي الحياة كما أن البشر ترّجهم أحداث عظيمة ساعة غفلة، تغيرهم للأبد وتترك عليهم علامات لا تُمحى، كذلك الشعوب فإن الحروب تترك عليها علامات نفسية عميقة وتكسبها صفات إجتماعية ما كانت لتُوجد لولا قيام الحرب، والبلدان التي تدمرها الحروب تفقدها جذورها الثقافية وتدمر تراثها ويكون الصراع جزءاً من ذاكرتها الجماعية.
إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل القلوب – كيفما كانت الكوراث والنكبات – تخفق ولا تتوقف إلا عند الموت والناس رغم ذاكرة الحروب تعيش وتتطلع إلى الحياة وتشرب أعناقها نحو الأمل والشمس.
وبقدر ما وقعت صاعقة الحرب علينا بقدر ما إكتسبنا فيها أصدقاء جدد صاروا لنا أهل بصلة الرفقة وبقدر ما وضع الله في طريق الكثيرين منا أشخاصا سخرهم الله لجبر الخاطر والكلمة الطيبة والدعم المادي، وضع آخرين في مواجهة الكارثة مباشرة.
ومع ذلك تظل القلوب التي على قيد الحياة تخفق، تحزن أحيانا وتنهزم وتبتئس لكنها لا تتوقف، تتعثر بالضعف وقلة الحيلة ومع ذلك تستمر.
إنها الحياة وتصاريف أقدارها، وسعيدة هي الشعوب التي يرزقها الله القيادة الرشيدة القوية الملهمة التي يمكنها إحداث تحول حقيقي في مسار حياتنا، قيادة قادرة على تعزيز رؤية وحدة هذه البلاد وتماسكها، ووقف ذلك التدحرج المريع الذي نشهده الآن، قيادة قادرة على التواصل مع شعبها، قيادة تتكيف مع تطلعات شعبها وإحتياجاته، قيادة تتجاوز المالوف لتخرج بالبلاد إلى بر الأمان، ولكم سعداء هم الأشخاص الذين يرزقهم الله الرفقة الصادقة المحبة والسند القوي ساعة النكبة.

