بسم الله الرحمن الرحيم
موسم الندوات وشجعان العقول
محمد يوسف العركي
باحث في استراتيجيات المعرفة
arakidoha@yahoo.com
في عالم يشهد تحولاتٍ متسارعةٍ في شتى المجالات يظل البقاء فيها للأقوى وليس المقصود هنا من يمتلك القوة المادية البحتة فهي الى زوال طالما لم تحرسها قوة الفكر والثقافة النابعة من جذور القيم والاخلاق. فقوة العقل ورشده هي القوة التي لا تماثلها قوة وقد عبًر ابوالطيب المتنبي عن ذلك بما يغني عن كثير القول والبيان فقال:
الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني
فَإِذا هُما اِجتَمَعا لِنَفسٍ حُرّةٍ بَلَغَت مِنَ العَلياءِ كُلَّ مَكانِ
وَلَرُبَّما طَعَنَ الفَتى أَقرانَهُ بِالرَأيِ قَبلَ تَطاعُنِ الأَقرانِ
وامتداداً لثلاثٍ مضين من المواسم أسعدتنا وزارة الثقافة بانطلاق الموسم الرابع للندوات لتشهد الدوحة حراكاً ممتداً لإسبوعين (من العاشر وحتى الخامس والعشرين من فبراير)، ويُحمد للوزارة أن جعلت معها شركاء في هذا العمل من المؤسسات العلمية والمعرفية في الشأن الفكري والحضاري من داخل وخارج الدولة. فكانت جامعة قطر والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إضافة لمعهد العالم العربي بباريس.
والناظر لعناوين الندوات والورش المصاحبة يجد انها تسعى ان تجيب على أسئلةٍ كبرى مثل: كيف ننظر لذاتنا؟ وكيف ننظر للآخر؟ وكيف يرانا الغير (في جذور عقولهم وتصوراتهم ورؤاهم واستشرافهم المستقبلي).
تفتح مثل هذه الندوات حلقات متصلة من النقاش المثمر المستمر بين اهل المعرفة يمتد أثره الى فترات طويلة وتصلح كذلك كمنصة للفهم ومجابهة التحديات، واستعادة الذاكرة التاريخية الثقافية. إضافة لكونها تقدم اضاءات شاخصة لاستعادة الوعي المُغيَب ورصيد وإنتاج يُمكَن من امتلاك القوة الناعمة من خلال الثقافة والفكر.
فالقوة حقاً في عالم اليوم هي قوة العقول التي قدمت للعالم التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي وغيرها من الاكتشافات الحضارية المعاصرة، ورحم الله امير الشعراء حين قال:
إنَّ الشّجاعةَ في القلوبِ كثيرةٌ.. ووجَدْتُ شُجعانَ العُقولِ قليلا
شكراً وزارة الثقافة والشكر للشركاء من المؤسسات الاكاديمية وللعلماء المشاركين من داخل وخارج قطر فعالم اليوم يحتاج لتعزيز الحوار الحضاري والتعددية الثقافية والقيم الإنسانية وهذا ما تلمستُه وشهِدُته من خلال النقاشات الثرة في الندوات التي أقيمت واحسب ان العناوين القادمة ستشهد المزيد من الفعل الثقافي والفكري فشجعان العقول حاضرون دوماً في جلسات الموسم الرابع للندوات.
* *نقلا عن صحيفة العرب*

