ايام رمضانية بالكوة لا زالت في الذاكرة
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.
شهد شهر رمضان بالنسبة لنا تحوّلًا كبيرا منذ أيام طفولتنا، حيث تغير تلاقي التقاليد الدينية العريقة مع نبض الحياة الحضرية المعاصرة فأصبح رمضن قليل الطعم مقارنة بالماضي. وتظهر العادات الأصيلة والتقاليد الراسخة التي تجسد روح الاخاء والتعاون والالفه بين الناس في بلدي أيام رمضان والأعياد. و يبدأ الاحتفال بشهر رمضان قبل مجيئه بنحو اسبوعين أو أكثر وكنا نعرفه برائحة الآبري واستعدادات أسرنا له ببل الآبري وعواسته في شكل نفير يجمع النساء الصديقات والجارات والأهل. وكنت أري ان هذا النفير مساله لابد أن تدرس لانها تدل على روح عالية من التعاون بين الناس. ويستقبل أهلي شهر رمضان بالترحاب فيما بينهم (رمضان كريم عليكم، تصوموا وتفطروا على خير). وفي الشهر الكريم تقوم ربات المنازل بتجديد أواني الطعام احتفالاً بقدوم شهر رمضان المعظم. وتجد الناس في لهفة لسماع الراديو قبل أول يوم من رمضان ويكثرون قول (رمضان ثبت) ويعرف بعضهم أنه ثبت لأن السودان يتبع السعودية في الغالب. وهم أكثر تنظيرا في ذاك اليوم بين صموما لرؤيته وأفطروا لرؤيته و من يري أن بلاد المسلمين كلها واحدة فاذا ظهر الهلال في أيا منها فاننا نصوم تبعا لذلك. وكانت هذه النقاشات تتم بشكل سنوي وبتكرار عجيب في الرؤي والفتوي. كما كنا كأطفال نحاول رؤية هلال شهر رمضان ولكن دون جدوي.
كانت لنا أيام رمضانية في عدة سنوات بالكوة لا تنسي. لا أنسي كُوَر (رمضان كريم) الزرقاء التي كانت أهم الاواني الرمضانية في ذلك الزمان. والتي كانت جزء لا يتجزء من طقوس رمضان بالاضافة للآبري (الحلو مر) الذي نشرب منه حتي الثماله وبعدها لا نستطيع القيام والحركة. وأيضا لا أنسي الآبري الأبيض والكركدي والعرديب والليمون كمشروبات لا تزال حتي تاريخ اليوم. كل هذه المشروبات وكذلك المأكولات من العصيدة وملاح التقلية وملاح الروب والكسرة تصنع في مكان صغير (التكل، المطبخ بلغة اليوم)، والغريب في الأمر أن هذا التكل دائما قليل التهوية وضيق، لا أدري لماذا. وكنت أستغرب لكثرة أواني رمضان عند انتهاء الافطار (الذي كان يسمي بالمويات). هؤلاء الامهات بقضين جل النهار في التحضير وأغلب الوقت بعد الافطار في غسيل العدة ويالها من خدمة عظيمة لم نكن نفهم معناها ولم نقدرها وقتها. وفي هذه المناسبة أترحم على الخالة العظيمة أم الكل نور عبود أحمد التي كانت من أكثر النساء اهتماما بتجهيز أغراض رمضان والاهتمام بالغسيل، جعل الله ذلك في ميزان حسناتها وأسكنها جنات النعيم، آمين.
تأتي التراويح وقد كانت طويله على صغار مثلنا ونملها ونتكاسل في الذهاب اليها ولك تكن بالنسبة لنا برنامجا لازما. الناس في بلدي لا يسهرون الا في رمضان ولذلك تجدهم اليوم التالي أشد تعبا وارهاقا. كما يقومنون الفجر ويتسحرون عملا بقول المصطفي تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً (رواه البخاري ومسلم). وتجد البلد كلها (نوبات، طبل من الجلد المدبوغ المثبت في فخار مفتوح من الجانب الآخر وتقرع بالعصا و لها صوت عالي طروب) من الشباب يقومون باللازم نحو ضمان سحور الناس.
أجمل الأوقات في رمضان في شاطيء النيل (البحر كما يحب أن يسميه أهل البلد)، وبالذات بعد صلاة العصر حيت يمثل النيل متكأ بعد عناء يوم طويل وحار ومرهق. وتجد الشباب يقضون وقتا طويلا ف داخل النيل لقتل حرارة الجو قبل المغرب. والغريب في الأمر أن هذه المياه باردة وكأنها أتت من ثلاجه ومغرية للغاية. وفي الليل السمر والأنس والزيارات الميدانية للأهل والأصدقاء مشيا على الأقدام لعدم وجود سيارات ولأن المسافات قريبة من بعضها البعض. وأذكر أن الأخ الأستاذ بدر الدين علي عبود أشار الي يوما ما بأنه لاحظ أن المسافات الآن تبدو أقل من السابق وقلت له لقد زاد طول خطواتك مقارنة بأيام الصبا. زاد الله من خير البلد وأهلها، وبهذه المناسبة الرمضانية أهنئهم جميعا وأقول لهم (تصوموا وتفطروا على خير أهلي الكرام ونسال المولي العلي القدير أن يجمعنا مرة ثانية في هذه الدنيا الزائلة).

