المحاسبه الجنائية والسلامة المصرفية
د. بدرالدين قرشي مصطفى مستشار مالي ومصرفي
مقدمة
المحاسبة الجنائية تعتبر احد أهم أفرع المحاسبة المالية، مادة المحاسبة الجنائية تعمل على زيادة فهم ومعرفة المهتمين من المهنيين فى مجال المحاسبة والمراجعةوكذلك الطلاب الدارسين بالجامعات والمعاهد العليا. دراسة وممارسة أعمال المحاسبة الجنائية تعتبر مهمة وضروريةلكشف طرق واساليب الاحتيال المالي والاختلاس التزوير فى المصارف والمؤسسات المالية والشركات والمنشأت،الاكتشاف المبكر لمثل هذه الحالات، قد يعين متخذي القرار من جهات رقابية وتنظيمية فى التدخل للحد من إفلاس المصارف والمؤسسات المالية وتحقيقا للاستقرار المالي، وكذلك يساعد مجالس إدارات المصارف والمؤسسات الماليةوالشركات لتصحيح الأخطاء وتوفيق الأوضاع ومعالجتها ضمان استمرارية العمل.
المقال يهدف إلى :
1/تطوير مهارات المهتمين من مهنيين ودارسين لتحديد واكتشاف طرق وأساليب الاحتيال المالي والاختلاس و التزوير.
2/تعميق فهم مخططات الاحتيال المصرفي والاختلاس و التزوير الشائعة.
3/التعرف على اختلاس بنود الاصول ذات الأهمية النسبية.
4/تطوير الادلة والبراهين الجنائية ،لدعم قضايا الاحتيال والاختلاس و التزوير لدي المحاكم.
5/بناء وتفعيل نظم رقابة داخلية لتقليل أو تخفيف من احتمالات والاحتيال المالي والاختلاس و التزوير.
وقفات مع مسيرتي المهنية
المراجعة والتفتيش الجنائي يقوم على اساس المحاسبة الجنائية ويتم التحقق منه وفقا المبادئ والمعايير المحاسبية والمراجعة العالمية.
بدأت مسيرتي المهنية في التفتيش المصرفي عندما التحقت ببنك السودان المركزي في الإدارةالعامة للرقابة على المصارف، إدارة التفتيش، امضيت فيها 15 عاما، اكتسبت خبرة في مجالالتفتيش المصرفي والمحاسبة الجنائية والتي تختلف مخالفتها المصرفية عن المخالفات العادية.
لتعم الفائدة على المهتمين فى هذا الخصوص ،ستنتظم سلسلة من الوقفات لعكس تجربتي فى التفتيش الجنائي المصرفي واستعراض المخالفات الجسيمة التي حدثت فى بعض المصارف السودانية ، وشرح المعالجات التي قمنا بها لتلافي الإنهيار فى الجهاز المصرفي السوداني .
الحالة رقم (1) التفتيش المصرفي الجنائي :
تم التكليف فريق تفتيش من قبل الادارة العامة للرقابة المصرفية،وذلك للقيام بتفتيش محدود فى بعض المصارف كان ذلك في اوائلالتسعينات من القرن الماضي، وتشمل خطة التفتيش 8 بنود خطرةفى جانب الاصول من الميزانية العمومية ، قمنا كفريق تفتيش بوضعخطة العمل وتقسيم المهام بناء على تحليل بنود ميزان المراجعة فىتاريخ التفتيش ، ومن الملاحظات المهمة التي اثارت انتباهي وجودحساب وسيط بالنقد الأجنبي، فهو ليس من ضمن البنود الثمانية المحددة، وإنما حساب مساعد للحساب العام، وعندما تم تحليل الحساب من حيث الإيداعات و السحوبات والرصيد، وجدتالحساب نشط وسرعة الدوران عالية جدآ فيه تختلف عن بقية البنودالمدينة الأخري، عمد الموظف المسئول عن القسم بمعاونة مساعدالمدير العام المختص بالتحايل واخفاء الحساب فى حساب مساعدوتغير مسماه عدة مرات فى نهاية الأمر أطلق عليه مجازآ دون اسمNo name اخذت ابحث وانقب عن طبيعة الإيداعات و السحوبات في الحساب الوسيط، ومن خلال فحص المستندات اللازمةبالارشيف تأكد لي بأن الإيداعات اليومية بمبالغ كبيرة تخص حصائل الصادرات تم اخفائيها وتجنيبها ،كان ينبغي أن يتم تحويلها وتباع وتورد إلى بنك السودان المركزي وفق المنشورات المعمول بها . أما السحوبات فى الحساب الوسيط كانت لتغطية التزامات شركات تابعة لأحد المساهمين الكبار بالبنك ، مخالفآ بذلك تعليمات البنك المركزي ، بعد الأخذ والرد ومضاهاة تقرير التفتيش اعترفت الادارة العليا بالبنك ممثله فى مجلس الإدارة ومديرها العام ، وتمت المعالجة ومحاسبة المخالفين ومعاقبتهم وفق لائحة الجزاءات المالية والادارية الصادرة عن بنك السودان المركزي .
الحالة رقم (2) التفتيش المصرفي الجنائي :
بذات التكليف السابق فى الحالة رقم (1) طلب منا القيام بحملة تفتيشية لفروع المصارف كافة ببورتسودان ، والفترة محددة اسبوع ،ويلزم ذلك تفتيش 2 فرع يوميا علي الاقل، نقم بوضع الخطة فى الفرع ونطلب المعلومات وقبل تحضيرها نقم بزيارة فرع اخر ، للقيام بنفس الإجراء ثم نعاود الكرة للفرع الأول بعد تحضير المطلوبات ، مضت الخطةعلى ذات النهج، كان من ضمن المطلوبات كشف الحسابات الجارية للعملاء ، للتأكد من التزام الفرع بالمنشور بعدم كشف الحساب ،وللتحقق من ذلك كنا نطلب قائمة أرصدة حسابات العملاء فى دفتر الاستاذ العام لى ثلاث تواريخ مختلفة ، كانت المفاجئة بأن قامت إدارة الفرع بتوجيه موظف التقنية الذي تم الاستعانة به من رئاسة البنك للقيام بعملية تمويه وتحايل لعدم إظهار الأرصدة المكشوفة، بأن تم طباعة ثلات قوائم لارصدة الحسابات بالتواريخ الثلات المختلفة، الا ان الملفت للنظر بأن تظهر الأرصدة الحسابات فى ثلات حالات متطابقة رغم التباعد الزمني للفترات المطلوبة ، وكانت عملية تضليل وتحايل واضحة بعدم إظهار الأرصدة المكشوفة بالحسابات، ليتم التأكد من الأرصدة الحقيقية اعدنا الطلب إلى موظف التقنية امام شاشة الكمبيوتر وعمل إظهار الأرصدة لكل موقف على حدى ، تبين لنا وجود الأرصدة المكشوفة وكانت تتم على نطاق واسع، فما كان لنا الا ان نجري تفتيش وتحقيق شامل لكافة البنود الدائنة والمدينة بميزان المراجعة، بعد ابلاغ وأخذ الأذن من الرئاسة، وكانت من نتائج التفتيش التلاعب فى شيكات التحصيل على الأقاليم، وإضافة قيمتها فى حسابات العملاء من دون تحصيل فعلي وتنفيذ عمليات مرابحات ومشاركات صورية، بعد اكتمال إجراءات المتبعة فى التقرير من عرض التقرير على رئاسة البنك والرد عليه وعمل المضاه، تم توجيه رئاسة البنك باتخاذ الإجراءات بالمعالجات واتخاذ الإجراءات القانونية والادارية ضد المخالفين، وفقا للائحة الإجراءات والعقوبات التي يصدرها بنك السودان المركزي.
الحالة رقم (3) التفتيش المصرفي الجنائي :
فى اوائل التسعينات من القرن الماضي، دخل بعض العربالسودان، خاصة بعد غزو العراق، ولم توجد قوانين وسياسات منظمة لدخول المستثمرين الأجانب تحكم نشاطهم، تمكن المستثمر العربي من تأسيس وتسجيل ثلاث شركات تجارية، وفتح حسابات فى بعض المصارف. استغل بعض موظفي البنك ضعاف النفوس وعبر المقاصة اليدوية انذاك فى إضافات مبالغ كبيرة ولفتره طويلة فى حساباته لدى بنك اخر ومن ثم تحويل المبالغ إلى حساباته فى بنوك أخرى ليمارس تجارته فى إستيراد سلع محدده .
تم اكتشاف الاحتيال من خلال تتبع شيكات المقاصة الصادرة منالبنك الضحية من دون وجود أرصدة حقيقية فى حسابات شركاتالمستثمر، لتوريد فى حسابات تلك الشركات لدي بنك اخر، ليقوممندوب البنك الأول لتمرير الأرصدة الدائنة الوهمية اضافتها فىالحسابات لدي البنك الاخر، فهي ممارسة تعتبر من الاحتيال الماليوحالة تمويه للسحب على المكشوف من دون غطاء حقيقي الأرصدةالحسابات، مما أدى إلى كشف حساب البنك الجاري لدي بنكالسودان، عند اكتشاف الحالة قرر بنك السودان المركزي إعفاء المدير العام واحالة الموظفين المتورطين فى التلاعب، فصلهم وأمر الادارة القانونية لدي المصرف بفتح بلاغات بشانهم و المستثمر العربي كما عمل على تكليف مدير عام مشرف على المصرف لمعالجة الأوضاع واسترداد المديونيات.
الخلاصة
بالرغم من اختلاف مكان وزمان تلك الحالات الثلاث، الآ انهيجمع بينهم ضعف الضبط والرقابة الداخلية للمصارف ،وغياب إدارة المخاطر وضعف المراجعة الداخلية ، مما يشيرإلى غياب الحوكمة والضبط المؤسسي لها . تدخل بنكالسودان المركزي للقيام بدوره الرقابي والاشرافي على الجهاز المصرفي عمل على كشف المخالفات الجسيمة ، ومعالجة وتصحيح الأوضاع المالية والادارية حماية لحقوق المودعين .

