المحاسبة الجنائية والاستقرار المالي
د. بدر الدين قرشي مصطفى
التفتيش الجنائي المصرفي:
مواصلةً لسلسلة الوقفات لعكس التجربة في التفتيش الجنائي المصرفي، واستعراض
المخالفات الجسيمة التي حدثت في بعض المصارف السودانية، وشرح المعالجات التي قمنا بها لتلافي الانهيار في الجهاز المصرفي نتناول:
الحالة رقم ً4
أولًا: الإنذار المبكر
في عام 2002، عند عودتي إلى بنك السودان المركزي بعد إكمال مناقشة بحثالدكتوراة في بريطانيا، تم تعييني في إدارة النقد الأجنبي كرئيس قسم السياسات. كانتمهمتي تفعيل العمل في الإدارة وإعداد السياسات ومراقبة موارد واستخدامات النقدالأجنبي في المصارف.
طلبنا من المصارف إرسال رواجع شهرية بموقف النقد الأجنبي، وعند تحليل راجعة أحدالمصارف، لاحظنا أن الموقف المالي المرسل يبدو ممتازًا. إلا أن ربطه بطلبات تغطية الاستيراد من غرفة التعامل بالنقد الأجنبي في بنك السودان أظهر تناقضًا صارخًا، حيث كان البنك يقدم طلبات كبيرة وأسبوعية لتغطية مستحقات المستوردين.
هذا التناقض دفعنا إلى طرح سؤال جوهري: لماذا يلجأ البنك إلى بنك السودان لتغطية طلبات المستوردين رغم أن حساباته الخارجية تظهر أرصدة كبيرة؟
ثانيًا: تكوين فريق تفتيش
تم رفع مذكرة إلى مدير الإدارة، ووُفق على إرسال فريق تفتيش من إدارة التفتيشالمصرفي. كشف التقرير أن البنك لديه اعتمادات قائمة لشركات أحد المساهمين الكبار، حيث تم شراء النقد الأجنبي لتغطية هذه الاعتمادات عند استحقاقها.
عُرض التقرير على الإدارة العليا ببنك السودان المركزي، لكنها لم تقتنع بالنتائج، مما استدعى تحركًا أعمق.
ثالثا: تكوين فريق مشترك
تم تشكيل فريق مشترك بين إدارة النقد الأجنبي وإدارة التفتيش، وتوليت رئاسته. زار الفريق الفرع الرئيسي للبنك وطلب موقف الاعتمادات، فاكتشفنا اختفاء الاعتمادات المذكورة في التقرير السابق تمامًا!
بعد التحقيق، تبين أن الاعتمادات حُذفت من النظام الحاسوبي ووُضعت في “مذكرة خارجية” دون تسجيلها في حسابات البنك. كما اكتشفنا أن هذه الاعتمادات خُصمت من حسابات البنك الخارجية دون سدادها من قبل الشركات المعنية، مما أدى إلى:
نتيجةً لهذه المخالفات الجسيمة، صدر قرار فوري من الإدارة العليا ببنك السودان المركزي بحل مجلس إدارة البنك وإعفاء المدير العام ونائبه وثلاثة من مساعديه.
رابعًا: الإشراف المباشر من بنك السودان
تم تكليف مدير عام مشرف من بنك السودان المركزي، وكنت نائبًا له، مع فريق عمل لإدارة المصرف وحصر المخالفات. خلال فترة الإشراف (المحددة بسنة)، تمكنا من:
بفضل العمل الدؤوب، أنُجزت المهمة في 6 أشهربدلًا من 12شهرًا.
الخلاصة:
تختلف هذه الحالة عن سابقاتها لكونها من أخطر أنواع المخالفات في الجهاز المصرفي، حيث تورطت فيها الإدارة التنفيذية العليا ومجلس الإدارة، مما استدعى:
تُعد هذه التجربة مرجعيةً مهنيةً في مجال الرقابة المصرفية والتدخلات الاستثنائية لحماية الاستقرار المالي.
ملخص المقال:
كشف الدكتور بدرالدين قرشي عن حالة صادمة من التلاعبالمالي في أحد المصارف السودانية (2002)، حيث اكتشف فريق التفتيش -بقيادته- اختفاء اعتمادات مستوردة بقيمةكبيرة بعد حذفها من النظام وإخفائها في سجلات خارجية. كما تم ازوبر مستندات لتحوبلات نقدية لتظهر كحصيلة صادرات.
النتائج
العبرة
تُمثل هذه القضية نموذجًا خطيرًا لجرائم مالية مُمنهجة من القيادات العليا، وتُبرزدور الرقابة المصرفية الحازمة في حماية النظام المالي

