د. أحمد التجاني المنصوري: قصة نجاح ملهمة في صناعة الأنتاج الحيواني.
بقلم : بكري موسي عبد الكريم
في ظل السعي نحو النهوض بالسودان بعد الظروف الصعبة التي مر بها، يسعدنا ان نسلط الضوء على إحدى الشخصيات السودانية البارزة في مجال الأمن الغذائي والإنتاج الحيواني، وهو الدكتور أحمد التجاني المنصوري، الذي أصبح نموذجًا يُحتذى به في ريادة صناعة الأنتاج الحيواني. فمنذ بداياته في السودان إلى تأسيس وإدارة مزارع الروابي للألبان في دبي، تمكن هذا الرجل الملهم، بعون الله وتوفيقه، من تحقيق إنجازات استثنائية، محولًا التحديات التي واجهته إلى مزايا وفرص، ليصبح بذلك أحد رواد هذا القطاع في منطقة الخليج.
بدأ ابن مدينة الحصاحيصا العصامي الطموح مسيرته الأكاديمية مهاجرا طلبا للعلم في يوغسلافيا حيث حصل على درجة بكالوريوس العلوم البيطرية من جامعة زغرب في عام 1975، ثم نال درجة الماجستير في طب التوليد عام 1977 من نفس الجامعة. ومن ثم توج رحلته الاكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه في الطب البيطري من جامعة الخرطوم في عام ١٩٨٤.
وعقب التخرج، بدأ حياته المهنية محاضرا في جامعة الملك فيصل بالسعودية (1979 – 1985)، ثم عاد للسودان أستاذًا مساعدًا ومديرًا لمزرعة جامعة الجزيرة، حيث برزت مهاراته في إدارة المشاريع المتكاملة للإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني. وخلال ادارته لمزرعة جامعة الجزيرة شهدت المزرعة تطورا ملحوظا وتضاعف إنتاجها من الخضر واللحوم والالبان ومشتقاتها عدة مرات ، الا انه عاد للسعودية لاحقًا ليشغل منصب المدير العام للشركة الوطنية للتنمية الزراعية بالمملكة.
و مدفوعا بتطلعه إلى تحقيق تأثير أكبر في مجال تخصصه، انتقل د. أحمد التجاني إلى دبي، حيث حيث كان بانتظاره تحديًا جديدًا يتمثل في انشاء شركة لصناعة الألبان وإنتاج اللحوم في بيئة صحراوية قاسية لا تصلح اساسا لتربية الأبقار علي سبيل الهواية فضلا عن اتخاذا مشروعا اقتصاديا منتجا ومربحا. ولك ان تتصور ان بقرة يؤتى بها من مروج هولندا الخضراء البارده الي صحراء حارة قاحلة ثم ينتظر منها ان تنتج لبنا و عجولاً!
و لكن د. التجاني لم يجزع ولم يذهب عقله شعاعا من صعوبة التجربة وعظم المسؤلية ، بل قبل التحدي وشمر عن ساعد الجد. ومن خلال تبني أحدث التقنيات في الري والزراعة وجلب الخبرات الفنية من كافة الدول ، أسس مزارع الروابي، التي أصبحت اليوم واحدة من أكبر شركات الألبان وإنتاج اللحوم في منطقة الخليج.
فاستعان بالتكنولوجيا الحديثة في الإنتاج الحيواني، مثل التلقيح الصناعي وتحسين السلالات وأساليب التغذية المتطورة، مما ساعد في تحقيق إنتاج مستدام وعالي الجودة. كما ركز على الاستدامة البيئية من خلال نظم الري الذكي والطاقة المتجددة، ما جعل مزارع الروابي نموذجًا يُحتذى به في المنطقة.
ونظرًا لإنجازاته الرائدة، فقد حصل الدكتور أحمد التجاني بجدارة مستحقة على عدة تكريمات عالمية أهمها “جائزة أفضل مدير تنفيذي في قطاع صناعة السلع الاستهلاكية” في عام 2018 وذلك من مجلة CEO الشرق الأوسط كما تم تصنيفه في نفس العام ضمن أبرز 100 شخصية ملهمة في عالم الأعمال.
ولم تنقطع علاقة د. أحمد التجاني المنصوري بالسودان طوال سنوات اغترابه بل ظل على تواصل مستمر بمنتجي اللحوم والألبان في السودان على المستويات المهنية والعلمية والتجارية. وساهم بمجهود مقدر في فتح منافذ للمنتجات الزراعية السودانية في الإمارات، خاصة في مجالي الأعلاف والمحاصيل الزراعية. كما قدم المشورة الفنية لكل من طلب منه العون وأخص بالذكر هنا ، علي سبيل المثال لا الحصر، شركتي زادنا للإنتاج الحيواني ودال الزراعية، وساعد زملاءه من الأطباء والفنيين البيطريين السودانيين في مجالات المعرفة والتدريب وتطوير القدرات الفنية بالإضافة إلى دعمه للرعاة ومربيّ الثروة الحيوانية ومنتجي اللحوم والألبان في السودان وذلك مساهمة منه في قدراتهم المهنية والإنتاجية وما في شهدت في ذلك إلا بما علمت من جهوده تلك ولربما خفي عني الكثير.
ولم يقتصر دور د. المنصوري على ما ذكرت، بل أنشأ عبر منصات التواصل الاجتماعي مجموعات متخصصة من البياطرة وقفت نفسها لتقديم النصائح والاستشارات الفنية بمساعدة فريق من المتطوعين يديرون تلك المنصات مما أدى إلى اتساع عضويتها حتي تجاوزت اربعة آلاف مشترك او يزيدون ولم تكن حصرا علي الموجودين في السودان فقط با شملت اعضاء يقيمون في دول الخليج وأوروبا. كما قدم عددًا من المحاضرات عبر هذه المنصات، بالإضافة إلى مشاركته عبر برنامج “سنابل” التلفزيوني ذائع الصيت، حيث عرض رؤيته الطموحة ، بلغة الأرقام والتجربة ، حول إمكانية تحقيق السودان عائدات تصل إلى حوالي 125 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030 وذلك عبر خطة استراتيجية محكمة للنهوض بقطاع الإنتاج الحيواني.
ولمن لم يشاهد محاضرات د. أحمد التجاني التي بُثّت على قناة يوتيوب في ديسمبر 2018، فقد تناولت تلك المحاضرات عدة محاور أساسية ذكرنا من خلالها ما نعلمه جميعا من حجم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها السودان، من أراضٍ زراعية واسعة ومياه وفيرة وثروة حيوانية ضخمة مما يؤهله ليكون رائدًا في إنتاج الألبان واللحوم. لكنه في المقابل، سلط الضوء على التحديات التي تواجه تحقيق هذا الهدف، وأبرزها ضعف البنية التحتية ونقص التقنيات الحديثة وقلة التدريب علاوة علي مشكلات توفير الأعلاف والمياه بالنسبة لصغار المربين والمنتجين.
وعل الرغم من التحديات الماثلة، يري الدكتور التجاني ان ث فرصًا كبيرة للنهوض بهذا القطاع إذا استطعنا ان نترجم الخطط والنظريات الي خارطة طريق تنفيذية وذلك يتحقق عبر استراتيجة تنفيذية ذات اهداف وأرقام ومواقيت ل جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى تطوير مزارع حديثة تعتمد على نظم متكاملة. كما أكد على الدور المحوري للتكنولوجيا في هذه العملية، من خلال تبني التلقيح الصناعي وتحسين السلالات وتطوير الأعلاف وتطبيق أساليب إدارة متقدمة للمزارع.
وفي محاضراته عبر برنامج “سنابل” على يوتيوب، استعرض د. أحمد التجاني أرقامًا رسمية صادرة عن وزارة الثروة الحيوانية السودانية، مسلطًا الضوء على مفارقات صادمة تعكس ضعف الاستفادة من الثروة الحيوانية الهائلة في البلاد. فرغم أن القطيع القومي كان يُقدّر حينها بحوالي أربعين مليون رأس من الماشية، إلا أن متوسط إنتاج البقرة الواحدة من الحليب في العام لم يتجاوز 350 جراما اي ما يعادل زجاجة عصير صغيرة، في حين يبلغ متوسط انتاج البقرة عالميا اكثر من 10 الاف لتر من الحليب في العام. وأشار د. التجاني إلى غياب الإحصائيات الدقيقة والخطاء الشنيعة التي نرتكبها في السودان في حساب حجم ثرواتنا وإنتاجنا كبعض العوامل الأساسية التي تعيق تطوير القطاع الحيواني ، متسائلًا: كيف يمكن إدارة قطاع اقتصادي حيوي مثل الثروة الحيواني دون معرفة دقيقة بحجمه وإمكاناته؟
كما قدم د. التجاني رؤية تمتد من عام 2018 إلى 2030، تهدف اولا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الإنتاج المحلي، مع تعزيز التصنيع الغذائي والتوسع في الأسواق التصديرية، مشيرًا إلى أن تجربة الإمارات في تطوير قطاع الألبان يمكن أن تكون نموذجًا يحتذى به في هذا المجال.
وفي ختام محاضراته تلك شدد د. التجاني على ضرورة تضافر الجهود بين الحكومة والمستثمرين والمزارعين لدفع عجلة التنمية في هذا القطاع، مؤكدًا أن السودان قادر، من خلال خطة واقعية وقابلة للتنفيذ، على التحول من مستورد إلى مصدر رئيسي للمنتجات الحيوانية.
لا شك ان قصة د. أحمد التجاني المنصوري تمثل نموذجًا مُلهمًا لريادة الأعمال في مجال الإنتاج الزراعي والحيواني. فخلال رحلته العلمية والمهنية إبتداءا بيوغسلافيا الي السودان ثم السعودية الي ان استقر به المقام في دبي، استطاع هذا الرجل عالي الهمة أن يُحدث ثورة غير مسبوقة في صناعة الألبان في الخليج، مبتكرًا حلولًا ذكية لمواجهة تحديات البيئة الصحراوية.
ونحمد الله ان الدكتور المنصوري ما زال يتألق شبابا وحيوية واستعدادا للعطاء بلا من او اذى وان فإنجازاته تؤكد أن النجاح لا يعتمد فقط على الموارد المتاحة، بل على العلم والعزيمة والإصرار والابتكار والعمل الدؤوب. اليوم تقف مزارع الروابي كدليل على رؤيته الثاقبة، مما يجعل من أحمد التجاني المنصوري أحد أبرز الكفاءات السودانية في مجال النتاج الحيواني.
هذا هو التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم: كيف يمكن استثمار هذه الخبرة العالمية لتطوير قطاع الألبان واللحوم، ليس فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل ليصبح السودان مُصدرًا رئيسيًا لهذه المنتجات؟
كتب المقال بتاريخ
٢٠ أبريل ٢٠٢٥

